نادي قرية بغداد ج1
كتبهاطه أحمد ، في 29 مايو 2007 الساعة: 15:09 م
نَادِي قََرْيةِ بَغْدادَ

كانت القلعة الخضراء (المنطقة الخضراء)التي تتوسط بغداد, إحدى قلاع الفرنجة المنيعة, لكنَّ وطأة الأعمال الفدائية, جعلتْ هذه القلعة جمرة متوقدة تحت أخمص أقدام الفرنجة وأشياعهم من أعوان الغزاة, فغلتْ بها رؤوسُ العُلوج, وتروَّعَتْ بمفاخر الفداء العربي قلوب الرعاديد.
مقالٌ ترجمتُهُ من مجلة التايم الأمريكية , عدد’7 ماي’, أنشأه براين بينيت من بغداد (بتصرف منِّي في بعض المعاني).أنشره حلْقةً بعدَ حلقة
آخر النوادي
يوم السبت ليلاً في بغداد, ساقي الخمر في نادي قرية بغداد مشغول الفكر قلق الخاطر على قوارير الخمر.
في ليالي الزحام وأوقات الذروة -حيث تتزاحم الزبائن بالأكتاف وتتحادى مناكب الرواد الذي يغشون النادي على اختلاف مشاربهم وأعمالهم من أرباب السياسة وأصحاب الرياسة ورجال الحراسة والبنائين- ربما بلغت عدة زجاجات الخمر المبيعة إليهم في هذا النادي ما يزاهي 800 زجاجة.
(ب س س) اللقب المختصر لنادي قرية بغداد, يستجلب خمرته الخاصة به بواسطة نَقَلَة الخمور من وراء جدران القلعة الخضراء, لكن الفدائيين يعترضون هؤلاء النَّقَلة فيوقعون بهم من جانبي نهر دجلة.
في هذا السبت, أفضى انفجار شاحنة مشحونة بالقنابل رصدها الفدائيون على جسر- إلى تأخر وصول حاملي الخمور إلى النادي.
هايدي فتاة من ولاية فلوريدا من حدثاء المتخرجين الجامعيين, تتوجس خيفة من زحف أشباح الفدائيين إلى داخل أسوار القلعة الآمنة كما حدث مع السفارة الأمريكية في سيغون. لكنها لا تترك هذه الغموم تستغرق هواجسها كثيرا. ثم تحين منها نظرة إلى كأس الطلا في كفها فيفتر ثغرها وتقول: إنها مغامرة.
لقد شُيِّدَ نادي قرية بغداد على مثالٍ من حاناتِ الغَربِ في هيئته وبنائه, وكان أقربَ شيء إلى السَّمة الأوربي في فنون المعاملة وطرائق الاستقبال والبضائع المعروضة والمآكل والمشارب…
في ليلة نسيمها عليل امتلأت كراسي النادي المرصوفة في حديقته الغناء وروضه العاطر بزبناء النادي من سكان القلعة الخضراء, فتأخذُ عينُك رجالَ الحراسة بلبستهم الخاصة يجتالون في الحديقة وفي أيديهم أكياس فيها شيء من الرطب العراقي, وترى هاهنا رفقة من السياسيين يتجاذبون أطراف الحديث بينهم, وها هنا أجير من البنائين يلبس لبسة عليها شعار مرسوم عليه لفظة: البغدادي, يلاقي رفيقه في آخر اثنتي عشرة ساعة من العمل. الحراس عند باب النادي يامرون الرواد بالتخلي من الأسلحة والقنابل قبل الدخول, فيأخذها الحراس إلى مخبأ ويعيدونها إلى أصحابها بعد خروجهم.
من نظر إلى العراق من داخل أسورا القلعة الخضراء رأى عراقا هادئاً ساحراً, فهي محصنة من جانبيها بنطاق نهر دجلة ومضروب دونها بسور صلبٍ سامقٍ دون تسلقه بلوغ السماوات السبع.
المنطقة الخضراء ( واسمها الرسمي: المنطقة الدولية) تتوسط بغداد, وهي سكنٌ للآلاف منهم رجالات الحكومة العراقية الموالية للاستعمار.
ومنذ نكبة الرئيس صدام حسين باتت القلعة الخضراء منزلا للقوى الأميركية في العراق, وهي الآن موئلٌ ل 1500 فردٍ من الملحقين بأعمال السفارة الأمريكية في بغداد( أكبر سفارات الدنيا).
بالنسبة لمعظم وجهاء الأمريكيين الذين يزورون بغداد كان السِّحْر الذي يسكب خمرَته على ليالي الزوراء, والنخل الذاهب برأسه في السماء, المرصوص على طول السِّكَك في المنطقة الخضراء, كانَ ذلكَ كل ما رأوا وعرفوا من معالم العراق ومعارفه, أما العراقيون من أعوان الغزاة فإنهم يرون ”الحياة داخل أسوار المنطقة الخضراء قطعة من الحياة في أوربة ” كما قال حيدر حسن ( فُندُقِيٌّ يعمل في فندق الرشيد (280 دولار مبيت ليلة) داخل المنطقة الخضراء). مُضيفاً:” لا تمس بك الحاجة هنا إلى ما تريده نفسك ويرتجيه بدنك من اللذاذات, وكل الحاجيات والرغائب وافرة موفورة, من كهرباء وماء, وطاقة, وأمن, فهذه أسوار باطنها فيه الرحمة لكن ظاهرها من قبله العذاب” .
لكن هذا العذاب أخذ يزحف مقتربا من هذه المنطقة الآمنة يوما بعد يوم. فرغم تعزيز القيادة الأمريكية قواتها وزيادة أعداد الدوريات في بغداد فإن فاعلية الفدائيين تضاعفت صلابتها, وتدافعت حماستها, وانتشرت مآثرها, ولا أدل على هذا التدافع لجمهرة المقاومين من وقائع يوم الاثنين في محافظة ديالى (شمال بغداد) , حينما أقدم فدائي (استشهادي) على قتل تسعة من الجنود الأمريكين في وقعة لم يشهد الجيشُ رزاءةً مثلها منذ بداءة الحرب.
ومنذ اشتعال حمية الفداء في نفوس جُلدَاءِ العراق أضحى هذا النوع من الفداء الاستشهادي هجِّيرَ الفدائيين ودأبهم على حدود بغداد وفحوصها. لكن الانزعاج منها بدأ يهجس في نفوس ساكني المنطقة الخضراء. وبعض الجنود طلب الإعفاء من التجوال والسفر منفرداً خارج حدود أسوار القلعة الخضراء خيفة أن تتخطَّفه نسور الفداء وصقور المقاومة الذين اتخذوا من الفيافي منزلاً لهم ومن الصحاري فضاءً لزئيرهم, ومراصد لقنص الغزاة والإيقاع بهم.
في السابع والعشرين من مارس, وقَعَ صاروخٌ على مجمع للمقطورات السكنية بحذاء السفارة الأمريكية داخل المنطقة الخضراء, فلقي جندي حتفه إثر ذلك, والمرء يأتي حتفه من فوقه.
قوى الأمن عثرت بحزامين ناسفين وشاع في القلعة أن الشرطة تتطلَّبُ ثالثاً. هذا الحزام المفقود قد يكون تنَطَّقَهُ ذاك الفدائي الذي أوقع بسياسي عراقي من أعوان الغزاة, وأثْخَنَ في اثنين وعشرين من النُّذَلاء في مقهى البرلمان في الثاني عشر من أبريل.
فكانت هذه الصدمة مفنِّدة ومبدِّدة لفكرة حصانة القلعة الخضراء, وأمانها في سِربها عن الحرب القائمة على ساق خارج الأسوار. بعد هذه الوقعة أقرَّ الناطق باسم الجيش الأمريكي العقيد كريستوفر غارفر بأن ” المنطقة الخضراء غير آمنة ألبتة”. فهذه كلها نذُر على نكبة عظيمة للجنود والرعايا الأمريكيين في العراق.
منذ أن تداخلت عساكر الأمريكيين في العراق كان الأمريكيون يُنَبَّأون بأوهام وأقاويل عن قوة أبناء الفداء, وتوقد روح الإباء في نفوس شبيبة العراق, وعن توقح أهلها في البداوة وتَلبُّسِهم بالجَلَد والغلظة, وعن ثقافتهم التي تسَعِّر في نفوسهم معاني النخوة, وتنزع بهم إلى منازع الاستقلال.
هذه الأوهام تثبت في حدود الوهم ما دامت في حدود هذه القلعة المحصنة, والبروج المشيدة, فإذا جاوزت حدودها خرجت إلى نطاق من الحقيقة. ثم إنه لا دليل على خروج الأمر عن يد الأمريكين من الفوضى الأمنية التي شاعت وذهبت كل مذهب داخل أسوار القلعة المزعومة نفسها.
ومنه فلا غرو أن يسوء حال نادي قرية بغداد وتَقِلَّ مداخله وتختبل مصادره وموارده. حسب جمٍّ غفير إنها آخر مغامرة. والنادي في مثل هذه الأجواء يعد متنفساً ومفيضاً لهذه الأجناس التي تختلف إليه لتتخفف من أثقال همومها, وتلتهي فيه عن معاركَ حميَ وطيسُها, ”إنه مكان يأتيه المرء ليحفظ توازنه من الاختلال, ويصون عقله من الاختبال” كما يقول أليكس مانيكاس(63عاما) أحد العاملين في التصفيح المعدني من ولاية تكساس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب, اسلاميات, دين, ساسة, مقالات | السمات:مقالات, أدب, اسلاميات, دين, ساسة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

































