نشأة المدنية الإسلامية
كتبهاطه أحمد ، في 7 يونيو 2007 الساعة: 18:18 م
في المدنية الإسلامية وأنها قامت مع الشريعة:

إن جحود جريان عرق الديانة الإسلامية في المدنية التي أنشأها العرب والحضارة التي أقاموها بعد الإسلام لهي مهاترة في المقال, ومكابرة في المحسوس, وهؤلاء القائمون ببث هذه السفسطة لا يزالون يموهون على المسلمين قائلين لهم: إن أوربة ما أخذت في التَّمْدِين و اتسق لها الرقي , ولا تهيأت لها أسباب الفتح, إلا بعد أن رفست دينها ومقوماتها القديمة وصارت على خطة لائكية, فنحن لن نسلك في هذا السبيل ما دمنا على خطة إسلامية. وهذه كل غايتهم من جحود التمدين الإسلامي. وإلا فالأمر في حقيقته كما قال الحق:( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا)
ونقول في رد هذا:
إن التمدُّن الإسلامي قام مع الشريعة ولم يقم عنها, فالدين أساس هذا التمدن, وما جاء في كلام القِمَني من أن الدين لم يقم بصناعة حضارة قط, هو غلطٌ فادحٌ نتج لصاحبه عن جهله بالسير والحديث و التاريخ, أو من عدم تشخصه لحقيقة ينابيع المدنية ونصابها, فإن للمدنية أربعة أساسات يدرك بها وجه التمدن وأحواله في أمة من الأمم:
-إما الأبنية المشيدة والعمران الشاهد, فهو عنوان رقي الجماعات الذين يسكنونها.
-أو المخلفات العلمية والأدبية والفلسفية وما جرى في هذا المجرى, فهو مجلى حقيقة ما كانوا عليه من المدارك, وما فتقوا من فنون المعارف.
- أو الثروة التي كانوا يتنعمون بها فهو دليل اقتدارهم, وتنفقهم في وجوه الصناعة والزراعة والتجارة.
- أو الشرائع وهو أعظم حجة على ما كان في تلك الأمم من الرقي الذهني والنظام الاجتماعي وخلافه, والأخلاق الراقية وعدمها, ومن المساوات أو التفاوت في المقامات, ومن العدل والظلم, والآداب الحسنة أو الأخلاق المرذولة.
فإذا كانت هذه هي أساليب التمدن التي قررها الحكماء لنحل أمة صفة المدنية, فإن عهد السعادة النبوي أوفر العهود حظاً من هذا الاسم, وأحق الأعصار بهذه الصفة, و من عرف نهضة الإسلام وتعاليمه, وسبرها عمقاً و غورا, وفحصها سطحاً وقعرا, تحقق أن الديانة قوة ذات تعميرٍ وتجديد, احتوشت أساليب التمدن كلها منذ ظهورها, وكانت للتمدين أصلاً وينبوعا, وللحضارة نصاباً وعَلَماً مرفوعا.
فمن طالع بحسن الدقة, وتمام الروية, في ما بثه النبي عليه السلام من التعاليم, ومحكمات الأحكام, وأنواع الإرشاد, وما حوى القرآنُ من آداب الاجتماع, وسَنَّ من طُرق التعارف والتمازج بين الشعوب, وما أودع الله غضون آياته الباهرة من أحكام الطبيعة, وأسرار الوجود, وفرائد الكائنات, وعجائب المبتدعات, وما ضَبطَ من الحقوق المدنية, وفتق من نظامات الحياة, وما تلته به السنة النبوية تبيانا وتفصيلا, من تهذيب النفوس, وترسيخ الفضائل, وتجديد الإنسانية في روح المعاملات, وتليين الطبائع, وفسخ الأحلاف الجاهلية, وما أحكمته من سنن الإرتقاء والإخاء البشري, وشدها من وثاق الجامعة, وتقوية رباط الاتحاد,و حرق بواعث العصبية التي هي من خصوصيات العرب في الجهالية, وتمتيع الخلق بضروب الحرية, من طالع ذلك علم أن المدنية الإسلامية قامت معها لوقتها تلك الأعمال المذكورة بسر تأثير تلك التعاليم الجليلة في نفوس سامعيها لذلك العهد. فهي مدنية ودينية من أوليتها.
نعم, لقد كان عهد السعادة النبوي أس النهضة وعرقها الأصيل, فإذا التفت إلى ما يتعلق بالمراتب الادارية, من وزارة بأنواعها, وكتابة بأصنافها, والرسائل, والإقطاعات, وكتابة العهود, والصلح, والسفراء, والرسل, والترجمان, وكتاب الجيش, والقضاة, وصاحب المظالم,وفارض النفقات, وفارض المواريث, وصاحب العسس في المدينة, والسجان, والعيون والجواسيس, والمارستان والمدارس والزوايا, ونصب الأوصياء, والممرضات, والجراحين, والصيارفة, وصاحب بيت المال, ومتولي خراج الأرض, وقاسم الأرض, وصانع المنجنيقات والرامي بها, وصاحب الدبابات, وحافر الخناديق والصواغين, وأنواع المتاجر والصناعات والحرف…تجدها كلها كانت لعهده عليه السلام, ومسندة للأكفاء من الرجال.
وإذا شئت ثبتاً لهذا فراجع كتاب ”تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله (ص) من الحرف والصنائع والعمالات” للخزاعي وهو منشور على (الوراق) والحمد لله.
وقد قفاه على أثره فخر المغاربة الشيخ عبد الحي الكتاني بنظام الحكومة النبوية المسمى بالتراتيب الادارية, فاعتنى بالزيادة عليه والاستدراك, بلسان يناسب روح العصر, فوضع في أربعة أشهر سفراً إذا وقفت عليه وقفت على شيء من العَجَب, ونوع من التأليف يحير اللَّبَب, وموضوعهما تدوين المدنية الإسلامية على عهد تأسيسها الأول. فليرجع إليهما من تضمخ بالجهل, وتلطخ بالتعالم, وحكم بالظن, وقطع عن حدس.
وقال بعض العلماء: إن أساسات الدين الإسلامي: اعتقاد الحق, وإقامة البرهان على المعتقد, وتعميم المعاملات والإخاء, وتخويل عموم الأفراد حرية محضة محدودة بحدود موافقة للحكمة, بحيث تحفظ الحياة الاجتماعية ما دام في الوجود موجود, مانعة ذويها من الإفراط والتفريط, ثم أوجب بينهم حفظ المراتب والدرجات, وأوجب رعايتها عليهم, ورفع بعضهم فوق بعض درجات بمقتضى الاستحقاق والقابلية, ثم ألزمهم رعاية مصالح سواهم, وحبب إشراك غيرهم في نعمة هذه المدنية العظمى, وكانت الزراعة معتنى بها في زمانه عليه السلام, وهو الذي يامر بها, ويحض عليها, وكذلك الصناعة فإنه أمر بها وبتعلمها, وأمر بمبادئ التعليم, وأمر بأخذ العلوم ولو من ديار الكفار, وأدخل بعض الأمور التي وصله خبرها من الأمور النافعة التي يستعملها كفار الفرس وغيرهم مثل عمل الخندق, واستحسان تنوير المسجد, من قبل تميم الداري حين أوقد قنديلاً ومصباحاً أحضره معه من سياحته بعد أن كان يستضاء في المسجد النبوي بالحرق, وأمر بنشر العلوم والمعارف, وتقسيم الوظائف, وإيجاب الإخاء,وتقدير الرجال, وتنظيم القوى الدفاعية والهجومية, وأسس وجوب ذلك وقرر وجوب حفظ الأبدان, والطب, والتشريح, وأنواع الحكمة الطبيعية, وتعميم الآداب, ومكارم الأخلاق, والتاريخ, والجغرافية, والسياحة, والاستكشافات, والسعي في الاختراعات, والنجوم, والحساب, والقصص, والروايات, وآداب المحاضرات والمسامرات, وقرر مع كل هذا وظائف الأعمال الإدارية, وألزم بالاقتصاد الإدراي والمالي, وكل ما يكون في الأمم المتمدنة, حتى قرر وجوب الإحصاء. أما التجارة فقد استعملها عليه السلام بذاته, هذا ما كان من أمر الداخلية- وأما الخارجية فقد دعى بالبلاغ المبين, وقرر أصول الحقوق الدولية ,والحقوق المِلِّية, وأوجب أصول الحروب, والهدنة, والمسالمة, والمعاهدة, والمقاولة, والمكاتبة, ورعاية الموازنة السياسية ,والمعاهدات, وأصول أهل الحماية, وحقوق الجوار, ومعاملة رعايا الأجانب وأهل الذمة, وتخويل كل فرقة حقا محدوداً بالحكمة, محوطاً بالصواب, فيجب على من يريد درك الحقيقة من هذا الدين المتين أن يراجع نصوصه المبينة, في كل حادث زماني أو مكاني أو علمي أو عملي, ويكون له من الاقتدار على التطبيق الشرعي صلاحية كافية فإنه يرى الحكمة تنجلي بين يديه مجردة عن كل تردد واحتجاب.”اهـ. انظر رسالة حجة الكرام في محجة أهل الإسلام
نعم, وهذا الدكتور سيتي يانكست يقول:” إن القرآن مجلة للأساسات التي تهدي العقائد والأخلاق, وتؤمن للناس السعادة والموفقية في الحياة… إن القرآن بسياسته, وجاذبية فصاحته, رفع العداوة بين القبائل, والمجادلة بين العناصر, جاعلا تلك العشائر والأقوام المتضادة, والملل المختلفة, كَمِلَّة واحدة متحابة, ومنورا لعقولهم, كاشفا لأفكارهم. فلا بد من الحكم بأن البلاغة القرآنية بلغت إلى درجة الكمال, لأن القرآن بدل الوحشة بالمدنية, وزاد على تواريخ الدنيا قوة جديدة. إن القرآن هو الذي ألهم لنوع الانسان مع ما بينهم من التباعد الزماني والمكاني والتفاوت بين السويات والأفكار حساسية خارقة للعادة. وبدل ما بينهم من المخالفة والضدية بالخيرة والاستحسان. فلهذا امتاز القرآن من بين الآثار بالتقدير. إن القرآن موضوع وأي موضوع للعلماء المشغولين بمقدرات البشر. إن لسان القرآن من حيث النزاهة والبلاغة بلا مثيل ولا نظير, وإن القرآن بذاته معجزة محتشمة.” اهــ
ومما اشتهر على لسان قاسطون قار المستشرق الفرنسي مما نشرته له جريدة الفيغارو الشهيرة سنة 1913 قوله: ” إن الدين الذي تمسك به ثلاث مائة مليون: دين به قوام الدنيا في نظر سالكيه, إن هذا الدين العقلي الذي من منابعه ودساتيره ذلك القرآن مشتمل على ما استندت إليه المدنية من الأساسات حتى جاز أن نقول :هذه المدنية(أي الأوربية) طلعت إلى ساحة الوجود من امتزاج الأساسات المنشورة من قِبَلِ القرآن.” اهــ
نعم, لا نجحد أن التمدن الإسلامي جرى على سنة الله في كل ما يتكون وينشأ, وسار سيراً تدريجياً حتى بلغ تلك المبالغ الهائلة من التمدن والتحضر.
فمن لم يتأمل ذلك حق التأمل, ولم ينتصف منه, ولم يحط بخبره وخُبره, غاب عنه ولا بد- تلك الإدارات, والعمالات, والصنائع, والتجارات, وما قام بدولة الرسول عليه السلام في المدينة المنورة من أسباب الترقِّي والعمران, الذي وصل بأهل الإسلام لذلك العهد إلى أحدث ما يعرف من الوظائف اليوم في الإدارة, والكتابة, والحساب, والقضاء, والسفارة, والحرب, والصحة, ونحو ذلك. خصوصاً من كان يظن (كصاحبنا) أن أهل ذلك الدور كانوا رعاة, يمشون حفاة, ويطوفون عراة, وإذا أكلوا مسحوا أيديهم في أقدامهم.
وليس يخفى أن ذلك كله كان في تلك العشر سنوات التي قضاها النبي عليه السلام في المدينة بعد الهجرة, وهذا الذي كان في عمر غلام من الغلمان, لم تبلغه أمة من الأمم في مئات السنين, هذا وصاحب الرسالة عليه السلام أمّيٌّ نشأ في أمّة أمية, بدوية جاهلية, ولله در بديع الزمان سعيد النُّورْسِي حيث قال في موضع من تفسيره: فهذه جزيرة بعد ثلاثة عشر عصرا, وبعد ترقي البشر في مدارج التمدن, فانتخب -أيها المعاند- من أكمل الفلاسفة مائة, فليسعوا مائة سنة, فإن فعلوا جزءا من مائة جزء مما فعله محمد العربي عليه الصلاة والسلام بالنسبة إلى زمانه…فإن لم تفعل- ولن تفعل- فاتق عاقبة العناد” اهـــ إشارات الإعجاز.
القول في تمدن العرب:
كما ليس يخفى أن هذه النهضة إنما كان مادتها أول أمرها العرب دون العجم, فلا سبيل إلى تعييرهم بعد البعثة المنيرة بالسذاجة والبداوة, فإنهم ما إن نبَعَتْ فيهم تلك الشعلة النورية النبوية, حتى أحدثت فيهم الحركة وكانوا خامدين, وأنشأت بهم نهضة وما انفكوا خاملين, فنبغوا في العلوم, واستبحروا فيها, ثم طاروا إلى الآفاق بالبشائر يفتحون العقول, ويجتالون الأقطار, ويسودون الديار, ويقيلون عثرات الأمم بعد وهدة السقوط, وكان كل ذلك في نصف قرن.
إذن فأسباب الإرتقاء الأولى كانت عائدة في مجملها إلى الديانة الإسلامية التي كانت قد ظهرت جديدا في جزيرة العرب, فدانت بها القبائل العربية, وأنشأتهم نشأة مستأنفة, وأحالتهم خلقا آخر, فتحولوا بهدايتها من البداوة إلى الحضارة, ومن الأعرابية إلى المدنية, ومن القسوة إلى الرحمة, وتلك رحمة الله بالعرب وقعت إليهم فهل يحجزها عنهم حشوة الشعوبية (أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب).
على أنني قد وجدت القمني هذا- كبته الله- تحامق مرتين: مرة عند إنكاره المدنية الإسلامية, ومرة عند جحوده للحضارة العربية في الجاهلية ومدنياتها الأثيلة ودولها المتعاقبة, ومما لا يمتري فيه أحد له مسكة من علم بتاريخ الأمم أن المدنيات العربية كانت أبعد آفاق التاريخ التي أضاء فيها كوكب الحضارة المشرق, وقد تحققوا ذلك بما اكتشفوه سنة 1901 للميلاد في بلاد السوس من آثار دولة حمورابي العربية, وشرائعه الراقية, التي قضت للجنس العربي بأسبقيته على الأمم إلى وضع الشرائع, وبلوغه مبلغا سامقا في الحضارة سقطت دونه الشعوب القديمة, وكما أسلفنا في صدر الكلام فإن الشرائع من أعظم أساليب المدنية.
لكن هذه المدنيات العربية لم تستقل استقلالاً حقيقياً واسعاً وفاعلاً, إلا بالإسلام -كما علمت- ولم تعرفهم الأمم البعيدة, وتخنع لهم الأقطار المتنازحة, وتخضع لهم الديار المتراحبة, إلا بمحمد صلى الله عليه وسلم, أما قبله عليه السلام فكانت تأتي عليهم أزمنة تُذِيلهم فيها أكاسرة الأمم, وتُذلُّهم في عقرهم قياصرة العجم.
هذا وقد استرسل المسلمون بعد العهد النبوي في استثمار إرث الأجداد, ونقلوا من تراث اليونان حتى تضلعوا, وترجموا ما لا يحصى من تواليف العجم, ونتائج قرائح الأمم, وبنوا وشيدوا ما تتراجع الدنيا صداه, وبلغ من الحضارة والتمدن مداه, فكانت المدنية الأموية والعباسية والأندلسية وهذه الأخيرة جمعت الأساليب الأربعة المذكورة جمعاً: من أبنية وعمران, وعلوم وآداب, وثروة وغضاضة, وشرائع وأحكام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب, اسلاميات, تاريخ, دين, سياسة, مختارات, مقالات | السمات:مقالات, مختارات, أدب, اسلاميات, تاريخ, دين, سياسة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


































يونيو 10th, 2007 at 10 يونيو 2007 9:04 ص
أخي العزيز طه أحمد..
تحية طيبة وقد سررت بالإطلاع على مدونتك الكريمة بثرائها الفكري وهي دعوة مني إليك لدعم المركز الإفتراضي لأبحاث الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم / المركز الإفتراضي لإبداع الراحلين / إتحاد المدونين العرب….
تقبل مودتي ومع أمنياتي بالتوفيق
د.محمد شادي كسكين
السويد
يوليو 4th, 2007 at 4 يوليو 2007 2:15 ص
” يسلم عليك العقل..
ويقول لك لبيك..ويقول ليك لبيك .
أما خطاوي الرجل ..
بصعب عليها تجيك..يصعب عليها تجيك.
*مقطع من أغنية ليبية ، أردت التوسل به لتحبتك..وتهنئتك أيضا على هذا الموقع
المميز… وألف مبروك أسطرها لك على امتداد الجغرافيا… من المغرب
إلى الأقصى المبارك .
*دمت أخا عزيزا ..ودام لك كل الألق و البهاء .
يوليو 6th, 2007 at 6 يوليو 2007 4:21 ص
سيدي عبد الحفيظ, أدام الله بقاءك: سلام عليك , وبعد
لقد يذكرني اسمك الشريف باسم أستاذ مغربي فاضل من سراة الوراق, وما أظنك إلا هو فإن صدق ظني فإني أكاد أطير فرحا وتيها بهذه الزيارة الكريمة, سلامي لك ولزكريا وندى.
طه