أمِيرُ البَيَانِ ورَأسُ العُرُوبََةِ 

                                                                                                        

 

       

حَضرَةُ الأَمِيرِ شَكِيب أَرْسَلاَن

                           


 

حديقةٌ خَاصَّة نبتتْ في الظِّل وقدْ مدَّت أغصانها اليوم كي ترتَعِشَ سَاعةً في نورِ النَّهار

صولة العقل على الهوى

كتبهاطه أحمد ، في 5 يوليو 2007 الساعة: 09:11 ص

صَوْلةُ العَقلِ عَلى الهَوَى

تأليف الإمامِ الحُجَّة أبي الفرج بن الجوزي 
حقق أصله وعلق عليه: طه أحمد لمخيَّر  (*)

باسمك اللهم: اللهم اجعل لهذا المخطوط المحقق من اسمك فائدة الذكر والبقاء, واكتب له ولمؤلفه من حمدك معنى القبول والثناء, وألْقِ عليه من أثر الحكمة بركة المنفعة والنماء. 

وبعد:

فهذه رسالة لطيفة، وعجالة شريفة، حققت أصلها من المخطوطة الأزهرية، أضعها بين يدي قراء الجوائب، تامة كاملة رائقة، إلا بعض الحروف والجمل القلائل لغموض في الخط أو خرم في الورقة، وعلقت عليها بتعليقات لائقة ، وشرحت غريبها، وخرجت حديثها. ألفها فريد الوقت ولب الإيمان، وحيد الدهر وواعظ الزمان، أبو الفرج بن الجوزي-جعل الله قراره في الجنان-، انتصر فيها للعقل على الهوى، وللبصيرة على العمى، استهلها بذكر العقل وماهيته، ووالاه بالتنبيه على محله وفائدته ، ثم شرَفه بدلالته على الخالق الحكيم ، والصانع العليم، وفضله في تثبيت النبوات ونصرة الرسالات، ثم أخذ في سرد مذاهب الجبابرة ومسالك الأكاسرة، وانصرافهم إلى الكائنات دون مكونها، والمخلوقات دون خالقها، ثم الأمم القديمة على اختلافها من هندها إلى عربها، ذاكرا ما تميزت به هذه الأمم ، واختصت به من المناقب والفضائل والبدائع والصنائع والعلوم والفهوم والهمم، ثم هي في الأمور الإلهية تخالف العقل وتأتي بالعجائب والغرائب. ثم يعقب هذا بذكر الفرق التي ظهرت في الإسلام والمذاهب التي انتسبت لكل إمام، وما فعلت بها العصبية والهوى حتى تقاتل أصحابها وسفكوا الدماء الحرام، أو تهاجروا بالقول ، وابتركوا في أعراض إخوانهم يقصبونها، حتى لا يلقي الأخ على أخيه السلام، ثم يتبع هذا بذكر ما فعله الهوى بأصناف الناس وطبقاتهم، من طلاب الدنيا والرياسة، وأهل العلم والكياسة، وأهل الغفلة، وأرباب التجارات، والمبالغون في المباحات، وأهل الزهد والمواظبة على التعبدات، والقصاص والوعاظ وشحنهم لكلامهم بالأحاديث الباطلة والموضوعات، وهو أثناء ذلك كله يورد نداء العقل لطوائف البشر وصياحه، وصولته عليهم في غدوه ورواحه، ويختم الرسالة بفصل في نفاسة الزمن واغتنامه في الصالحات، ومسارعة الأوقات ومسابقة اللحظات، فإن الوقت أهم ما كلف المرء بحفظه وهو أهون شيء عليه يضيع.

أسأل الله أن ينفع بها من ألفها ونسخها وحققها وقرأها، وأن ينصرنا على أهوائنا وخسائس أنفسنا، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر

قال شيخ الأمة وعلم الأئمة ناصر السنة أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي:

الحمد لله الذي هدى بالعقل سواء السبيل، فدل على النجاة ونعم الدليل، وأعزه بالحجة فإذا خصمه ذليل، وجعل عليه دون غيره التعويل، غير أن الهوى خلق خفيف وهو مر ثقيل، لكن قدره عند محتسب العواقب قدر جليل، وميزانه سليم العلاقة ولاينقص ولايميل، فالحمد لله الذي جعل حظنا منه كثيرا غير قليل، فبه عرفنا الخالق وعلمنا نفي العديل، وصدقنا الرسول والكتاب الجليل، وفهمنا مراد الوجود وتلمحنا المقيل، فتزودنا للنقلة وتهيأنا للرحيل، وانتهبنا الفضائل وشفينا من نيلها العليل، ونبهنا بهذه النصيحة أهل النوم الطويل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فصل

العقل غريزة كأنما بها نور يقذف في القلب، فيستعمل لإدراك الأشياء، ويعلم به جواز الجائزات، واستحالة المستحيلات، ويتلمح عواقب الأمور، وذلك نور يقل ويكثر، ومحله القلب وقيل الدماغ، ثم هو يقوى بالتجارب، قال ابن عباس:"لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل فقال أدبر فأدبر فقال وعزتي ما خلقت خلقا قط أحسن منك فبك أعطي وبك آخذ وبك أعاقب" واعلم أنما تتبين فضيلة الشيء بثمرته وفائدته، وقد علم أن العقل هو الذي دل على الإله سبحانه وأمر بطاعته، وثبت معجزات الرسل فأمر بطاعتهم وحث على الفضائل ودم في استخدام المخلوقات، فلا ينبغي أن يدال عدوه الذي هو الهوى عليه، لأن العقل ينظر في العواقب، والهوى ينظر إلى محبوب حاضر ولا ينظر في عاقبة ذلك ولا في عيوبه، فكم قد أفات من فضيلة، وكم أوقع في رذيلة، وكم قد حمل مقلدا في اعتقاده إلى النار، وكم ألزم أتباعه من ذل وصغار، وقبائح ليس لمكسورها انجبار.

فصل

إذا تم عقل العاقل حركه إلى معرفة الصانع وهي أول واجب على المكلف، وطريقها النظر والإستدلال، والله تعالى هو الموجب والعقل يكشف عن وجه الوجوب لا أنه يوجب بنفسه، ومن قال إن العقل يوجب فإلى هذا يشير، فإذا لزم النظر والاستدلال فالدليل على الخالق المخلوقات، ومن تأمل ما في بدنه من الحكمة وما في الكائنات كلها من الصنعة، وتيقن أنها لم توجد بنفسها ولا أنها صنعت نفسها، علم قطعا وجود صانع فمتى جحده استحق العقاب ولو لم تبلغه دعوة نبي، فمتى حادث المخلوقات ناطقته وأخبرته بوجود الخالق، ولينظر في كتابنا المسمى "عجائب البدائع"، فإنه يرى ما يدهشه.ثم إن الله سبحانه قد استفتح هذا العالم الإنسي بأبيهم آدم فجعله نبيا مرسلا إليهم يخبرهم بوجود الخالق، ثم لم يخل العصور من نبي وأتباع نبي يدعون إلى ذلك، فقد زالت الأعذار شرعا وعقلا.

فصل

وانملس أقوام فخرجوا عن مأمور الشرع والعقل، فشغلهم النظر إلى الكائنات عن التفكر في مكونها، فغلبت عليهم الأحاسيس، والإحساس لا يري الخالق، فجحدوا وجوده فمنهم نمرود الذي حاج إبراهيم في ربه، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:"قال نمرود لا أنتهي حتى أنظر إلى السماء فأمر بفرخي نسر، فربيا حتى سمنا واستعلجا، ثم أمر بتابوت فنحت، ثم جعل في وسطه خشبة، وجعل على رأس الخشبة لحما شديد الحمرة، ثم جوعهما وربط أرجلهما بأوتار إلى قوائم التابوت، ودخل هو وصاحب له في التابوت وأغلق بابه ثم أرسلهما، فجعل يريدان اللحم، فصعدا في السماء ما شاء الله، ثم قال لصاحبه، افتح وانظر ماذا ترى، ففتح فقال أرى الأرض كأنها دخان، فقال أغلق ثم صعدا ما شاء الله ثم قال له افتح ففتح، فقال ما أرى إلا السماء وما نزداد منها إلا بعدا، قال فصوب خشبتك فصوبها فانقضت النسور فسمعت الجبال صوتها فكادت تزول عن مواضعها، وقال ابن عباس:"بنى الصرح ثم صعد منه مع النسور"(1) وقال عكرمة:" كان معه في التابوت غلام، قد حمل القوس والنشاب فرمى سهم فعاد إليه ملطخا بالدم فقال كفيت إله السماء، وقال مجاهد هذه القصة جرت لبخت نصر وأن النسور لما صعدت إلى السماء، نودي أيها الطاغية أين تريد ؟ففزع. ومنهم فرعون فإنه جحد الصانع فلما أخبره موسى بوجوده قال "أوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا" فجاء في التفسير أن هامان جمع خمسين ألف بناء سوى الأتباع، فرفعوه ما لم يرفع بنيان قط، فارتقى فرعون فوقه، ورمى نحو السماء بنشابه، فردت وهي متلطخة بالدم فقال قتلت إله موسى، فبعث الله جبريل فضربه بجناحه فقطعه قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، وتبع هذين خلق كثير شغلهم النظر إلى المخلوقات عن التفكر في صانعها، والعقل يناديهم ويلكم كيف ينكر الصانع وكل الموجودات تنطق عنه، وليس فيكم من يقدر على رد النهار إذا أقبل ولا الليل إذا جاء ولا الماء إذا جرى و لا الشمس إذا طلعت، أفلا يستحي من يقول:"ما علمت لكم من إله غيري" وهو معوز(2) مدلك(3)، يرى من فعل الخالق عصا قد التقمت الجبال بأسرها ثم عادت عصا، ويشاهد البحر قد قام فيه الماء وصارت(4) يبسا، ونمرود يطلع بعد مدة على إبراهيم المحرق على زعمه فيراه في روضة، والعقل يصيح بهما وطرش الغفلة يمنع السماع.فإن قيل قد كان هؤلاء عقلاء يدبرون أمور الدنيا فكيف خفي عليهمة هذا الأمر العظيم؟فالجواب: أنهم غلبت عليهم الأحاسيس والخالق لا يعرف بها، ولهذا قال فرعون "وما رب العالمين" فطلب ماهية من لا ماهية له، والشيء إنما يكون من شيء يسبقه ذلك الشيء والخالق هو الأول، والعقل ينظر إلى عواقب الأحوال وثمراتها، والحس مستعجل لا يرى إلا الحاضر(5)، وقد كانوا أرباب علم بالحساب فقط، قال الحسن البصري:" يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا" قال بلغ من علم أحدهم أنه ينقر الدينار بظفره فيخبرك بوزنه ولا يحسن يصلي"، قال ابن عقيل(6): سمعت بالليل صوت تراب يقع على طست فيطرق فإذا خنفساء تمشي على الحائط فيقع التراب فعلمت أن كل شيء له سبب وأنه لابد للمخلوق من خالق.

فصل

وأضيف إلى هؤلاء الجاحدين للخالق تقليد بعضهم لبعض من غير نظر في حجة، ومنهم من كان له هوى فيما يفعله، ومنهم من أبى الدخول في ربقة تكليف، فلما سمعوا بالأنبياء وربحهم العقل، انقسموا فمنهم من مر على حاله جاحدا وجود خالقه وقالوا ما يهلكنا إلا الدهر، ومنهم من اتخذ أصناما فعبدها وزعم أنها تقرب إلى الخالق، والإنسان يسهل عليه أن يتعبد ويعمل كل شيء برأيه ولا يسهل عليه أن يدخل تحت تكليف غيره.والعقل يناديهم ويصول على آرائهم بصوت الهدى، فمنهم من استقام فاستوى، ومنهم من لج وماارعوى.

فصل

ولقد نظرت في رؤساء الخلق وساداتهم، فرأيت الضلال قد لعب بهم ولقد صدق عليهم إبليس ظنه، فمنهم العرب فإن لهم الفهم المصيب والبيان العجيب والنظر في القيافة إلى طرق الأحوال فيرون الرجل الأبيض وله ولد أسود فيعرفون صحة ذلك وفساده، {و}(7) لهم الشعر المستحسن والمعاني الدقيقة والسر الغريب والأنفة من الذل والعار والصبر على الشدائد والجود والكرم وبعد الهمم والعلم بالنجوم والأنواء ومعرفة الأنساب والشجاعة والفصاحة والعلم بالحيل فهي حصونهم، وكانوا يتناصرون ويكتنون، وليس للأعاجم والزنوج والهند كنى، ولا يغتر بقول عدي بن زيد:

أين   كسرى  كسرى  الملوك أبو ساسان أم أين قبله سابور

قال الجاحظ يقول(8): هذه كنية كناه بها عدي، على أن أبا عبيدة وأبا عمرو ويونس، إنما يروون:

أين  كسرى كسرى الملوك أنو شروان وينكرون ذلك(9).

ومع هذه الفضائل التي هي مقتضى العقل مال بهم الهوى إلى عبادة الحجارة التي ينحتونها بأيديهم وقد يرمون الحجر منها ويتخذون سواه والسبب ماذكرنا، إما تقليد الآباء أوالخروج عن ربقة الأمر أولهوى في النفس لايستند إلى معنى ، ثم ساكنوا كثيرا من الخرافات مثل قولهم إذا مات الرجل فلم يأخذ وليه بعيره فيحفر له حفيرة ويطرح عليه بردعته، ثم لايعقله حتى يموت-جاء صاحبه يوم القيامة راجلا حافيا، فإذا فعل ذلك جاء راكبها، وقال خزيمة بن أشيم الأسدي(10):

لاتتركن   أباك   يسعى   خلفهم
واحمل   أباك  على  بعير  صالح
فلعل   لي   مما   تركت   مطية

يعيا يخر على اليدين وينكب(11)
واتق  الخطيئة  إنها  هي  أصوب
في  الهام  أركبها إذا قيل اركبوا

هذا تخليط من كان منهم يقر بالبعث وممن أقر به زهير حين يقول:

يؤخذ       فيوضع      في      كتاب فيدخر ليوم الحساب أويعجل فينقم

وكانت قريش تنكر البعث ولا تقر به ، وكانوا يقولون أيما رجل قتل ولم يطلب وليه دمه خلق من دماغه طائر يسمى هامه فلا يزال يرفوا في قبره وينعي إليه عجز وليه حتى يثأر له، فقال توبة:

ولو أن ليلى الأخيلية سلمت علي
لسلمت  تسليم  البشاشة أو زقا

ودوني           تربة           وصفائح
إليها  صدى  من  جانب القبر صالح

ولهم مذاهب طريفة في البحيرة والسائبة والوصيلة والحام والمسة(12)، والعقل يصيح بهم أنتم تعلمون فضلي فكيف تستحسنون ما استقبحته، وينهاهم ولايسمعون، ثم إنهم يفتخرون بالجود، وإنما يغير قويهم على ضعيفهم ولا يرحمه، ثم يوقدون النار لاجتلاب الضيف، ويقتلون الأولاد خوفا من الإملاق في أشياء لا معنى لها وسببها ما سبق من تقليد قدمائهم واتباع أهوائهم.

فصل

وكذلك الهند لهم المعرفة بالحساب والنجوم والطب والعلاج والسحر والتلحين والشطرنج والخط الهندي ولهم الجمال(13)، والذي يهم يخالفون العقل في عبادة الأصنام وقتل النفوس فإنهم ينكبون ويدخلون النار ظنا منهم أنهم يصلون إلى موتاهم، فهم يعلمون من أحوال الدنيا ما لا يعلمه أحد ويصلون بالعقل إلى عمل المحكمات ، ثم يخالفونه في التوحيد وما يتعلق بالدين.فالعقل يستغيث من قبح أفعالهم ويصول(14) عليهم بتفسخ أعمالهم.

فصل

وكذلك فارس لهم السياسات وترتيب الأمور، ثم هم يغشون الأمهات ويأكلون الميتات ويتوضأون بالأبوال ويعظمون النار وهم أوقدوها وإذا شاؤوا أطفؤوها، وزعموا أن الله سبحانه كان وحده وطالت به وحدته فاستوحش ففكر فتولد من فكره إبليس، فلما مثل بين يديه أراد قتله فامتنع منه فصالحه إلى أجل فانقضى الأجل ولم يقدر عليه فصار إبليس يخلق أصناف الشر ليستعديها عليه، فخلق هو أصناف الخير ليضع بإزاء كل خير شرا، ولما عرف العقل هذا منهم صخ(15) وصاح بهم ويلكم أعرفتم هذا عن خبر لكم بهذا خبر؟ فكيف يهذي بعضكم لبعض فيتبعه الفهماء، وكيف يقطع التصديق بما يأباه الألباء؟.

لقد أفسدتم عملكم بجهلكم، وحسنتم تفسخكم، فإلام يسندون ما يذكرون، ومن المستحسن قبح ما يفعلون؟ لقد جهلتم ولا جهل الأطفال.

فصل

وكذلك الروم فمنهم الأطباء والحكماء والمتكلمون والمصورون، يصورون الرجل ضاحكا متبسما، ولهم صناعة في البناء ليست لغيرهم، وقد تميزوا بأنهم أصحاب كتاب وملة، ثم يزعمون بأن الألهة ثلاثة، ظهر واحد، وبطن اثنان، كما أن المصباح لابد له من فتيلة ودهر ووعاء، فاعتقدوا أن مخلوقا استحال خالقا، ومحدثا صار قديما ويزعمون{ له}(16) الاهية وقد يعلموا أنه يأكل ويشرب ويبول، ويقولون كان يحي الموتى فمات، والعرش أكثر منه، ويفصل من العرش شيء عن ذاته وإذا نزل إلى السماء انتقل ومنهم من قال إنه تحرك، والعقل يصيح بهؤلاء ويلكم أليست الحركة عرضا، أوما الانتقال صفة الأجسام، والمساحة لاتكون إلا في جسم، فلو أنكم سلمتم أو تنزهتم عن الميل تنزهتم عن الشرك، والقوم معرضون عن نصيحة العقل ميلا إلى موافقة إحساسهم وتقليد الكبراء حمالهم(17).

فصل

وقد مال الهوى بخلق كثير إلى العصبية الخالية عن دليل يقتضيها فمنهم الرافضة التي سبت أبا بكر وعمر، وتنسى أن رسول الله قدمه إلى الصلاة وأن المسلمين أجمعوا عليه وأن علي بن أبي طالب وإن تأخر لعذر، وافقه وتابع عمر بعد موت أبي بكر وصاهره وأثنى عليه بعد موته ، فقال:والله ما على وجه الأرض أحد أحب أن ألقى الله بعمله إلا هذا المسجى. ومن العصبية القبيحة التعصب لمعاوية على علي وليزيد على الحسين، وما زالت العصبية في ذلك بين العوام حتى قتل منهم خلق لايدري القاتل لم قتل، ولا المقتول لم قتل(18)، وإنما هو مجرد هوى.ولقد حملت العصبية خلقا ينتسبون إلى العلم في مذاهبهم حتى إنه لو صلى حنبلي في مدرسة شافعي ولم يجهر(19) ثارت فتنة وكذلك لوجهر شافعي في مدرسة حنبلي، والعجب كيف يجري مثل هذا في مسألة اجتهاد.

 

فصل

ومال الهوى بالأمراء حبا للرياسة وتناول الشهوات، فتأمروا ولا يستحقون، كما تأمر مروان وعبد الملك مع وجود ابن الزبير، وقبلهما يزيد مع وجود الحسين، ثم صار أكثر الأمراء يفعلون برأيهم البعيد من المشروع، فيقتلون من لايجوز قتله، ويقطعون من لا يجوز قطعه، ويسمون ذلك سياسة، وإنما السياسة هي الشرع. والعقل يناديهم أما لكم شرع ترجعون إليه أما ثم دين تعولون عليه؟ لو أن بعض عمالكم وافق هواه فيما تكرهونه أحللتم به العذاب، غير أن الهوى قد أصمهم عن سماع عدل العقل وفيهم من يطمعه أن يشفع له ، والعقل يصيح بصوت فصيح، يا هذا أو ليس الرسول صلى الله عليه وسلم يقول يا فاطمة لا أغني عنك من الله شيئا، لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته فرس قد غلها أو شاة أو بعير، فيقول يا محمد فأقول لا أغني عنك من الله شيئا قد أبلغتك(20).

 

فصل

وقد مال الهوى بخلق من العلماء فهم يترخصون بأفعال لا تحل ظنا منهم أن العلم يدفع عنهم، فربما لبسوا الحرير وأخذوا ما ليس لهم أخذه، والعقل يناديهم ويحكم أين نفع العلم؟أما تسمعون نهيه لكم إنما هو حجة عليكم، فإنه قد قال الفضيل يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب.

فصل

وقد مال حب الرياسة وطلب الدنيا بأقوام من المتزهدين، فرقعوا الثياب لا عن عوز، وإن كان الفقراء يرقعون لشدة الفقر- وجعلوها من صوف(21)، وانشغلوا بالرقص والغناء ولذات النفوس والله أعلم بما يحكى عن خلواتهم .وقد كان قدماء الصوفية طعامهم الجوع وشغلهم السجود والركوع وليلهم ينقضي بجريان الدموع فخلف من بعدهم خلف.

فصل

ومن المتزهدين من يتخاشع لا عن خشوع، ويتباكى لا عن دموع يريد من الناس تقبيل يديه والعكوف عليه، ومتى انحاز خشوع القلب إلى الجوارح فهو نفاق، والعقل ينادي هؤلاء ويحكم أهونتم برؤية الحق إياكم أما علمتم أنه يراكم؟ ويعلم مقاصدكم وخفاياكم؟ فالويل كل الويل إن جازاكم، وقد جاء في الحديث:إن قوما يقربون إلى باب الجنة، فإذا رأو ما فيها صرفوا إلى النار، فيقولون لو أدخلتمونا النار من غير أن ترونا ما رأينا كان أهون علينا فيقال هذا أردنا بكم كنتم إذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين وإذا خلوتكم بارزتم بالعظائم فاليوم أذيقكم أليم العذاب مع حرمتكم من الثواب.(22)

فصل

وقد ظهر في زماننا خلق كثير من الوعاظ يعتمدون ما لايصلح ، فمنهم من يورد الأحاديث الباطلة، وأقر بعضهم إلى اختراع أحاديث في الحال ، ومنهم متصنع بإنشاد الغزل وعنده من الجهال من يتخبط ويظهر أنه عن وجد، والعقل ينادي هؤلاء، ويحكم إذا لم تصلحوا بواطنكم فكيف يصلح الفاسد منكم.؟ وإن الكلام إذا خرج من القلب وصل إلى القلب"طبيب يداوي والطبيب مريض"، وفيهم من يتكسب بالوعظ فقد جعله بضاعة.

فصل

وفي العوام متشاغل بالتجارة لا يبالي من أين حصل المال والمعاملة بالربا بينهم كالبيع عادة، والعقل ينادي هؤلاء ويحكم أصلحوا أحوالكم، فستتركون أموالكم ولابد من الحساب على أكسابكم، فحاسبوا أنفسكم قبل حسابكم وإنه من كسب مالا من وجه حرام كان زاده إلى النار، وإن رسول الله لعن آكل الربا ومأكله وكاتبه وشاهديه.وفيهم من يصلي ويصوم ويفعل الخير ولا يترك عادته في ذلك المنهي عنه.وفيهم من يقصر في أداء الزكاة وربما احتال لدفعها، وكم رأينا منهم من لم يمتع بماله ومضى رهن أعماله، فلا من خلف له يحمده ولا من يقدم عليه يعذره، وفيهم من يصلي عادة ولا يتعرف أركان الصلاة ومصالحها طلبا لتعجيل الراحة من أثقال التعلم، وفيهم من يطلق نفسه في المحرمات اتكالا بزعمه على رحمة الخالق ويقول إن الله غفور رحيم ، وينسى أنه شديد العقاب، والعقل يناديه ويحك عش و لا تغتر، وقال معروف الكرخي:رجاؤك لرحمة من لا تطيعه خذلان وحمق.

 

فصل

وما من غافل إلا والعقل يناديه عند اهتمامه بالمعصية ويحك احذر من يرى، فإن لم ترتدع بهذا قال العقل وازن بين لذاتها وعقابها، فإن لم يقبل قول العقل رأى الالتذلذ كبرق خطف وإذا التحسر قد أقبل إليه وعطف، فيناديه العقل واعجبا للذة أومضت ومضت ولحسرة أقامت، فأقعدت أسفا وأقامت، وقد يعيش التائب مائة سنة وتلك المعصية نصب عينه والندم على فعلها ملازم لقلبه فأين قليل تلك اللذة من طول هذه الحسرة وربما أوجبت فضيحة بين الخلق لا تنتهي أبدا، وإن هو غالب الهوى وقبل موعظة العقل فما كان إلا صبر ساعة وقد فترت همة الطلب، كما صبر يوسف عن الخطيئة ساعة فبقيت مدحة تتلى ولا تبلى، ثم افتخاره بالصبر في الدنيا وفي القيامة أجل وأعلى.فميزوا إخواني بين لقمة آدم وصبر يوسف وقد كان جماعة يتلذذون بالصبر عن الذنوب طول أعمارهم فقال أبوبكر بن عياش: ما أتيت فاحشة قط، وكان المعتضد يقول: والله ما حللت سراويلي على حرام قط وكان جميل يقول لا نالتني شفاعة محمد إن كنت وضعت يدي على بثينة لريبة قط، وقيل لأعرابي ممن أنت؟ فقال من قوم إذا عشقوا ماتوا قيل لم؟ قال في نسائنا صباحة وفي رجالنا عفة، فهؤلاء الذين ينادي العقل بمدائحهم، وأرباب الهوى ينادي دائما بفضائحهم.

فصل

وقد يميل الإنسان إلى مباح فينهاه العقل لقبح ثمرته مثل الشيخ يكثر من النكاح فيقول العقل ويحك تأمل عاقبة أمرك، فإنك تسعى في هدم عمرك وكذلك راكب البحر يناديهم إنما تطلب الأرباح للنفس فإذا خاطرت بها فهلكت فلمن تكسب.

فصل

ومن موافقة الكسل وحب البطالة تضييع الزمان من غير اغتنام فإن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة من كل ساعة ألف نفس، خمسمائة نفس تخرج من البدن وخمسمائة تدخل وكل نفس ينبغي أن تملأ بفعل الخير لئلا يقدم العبد القيامة فيرى بعض الخزائن فارغة وينبغي لذي الهمة أن ينفق عمره في أفضل الفضائل وهو العلم فإنه إذا عمل به ورد به على محبة الخالق. نسأل الله تعالى موافقة العقل ومخالفة الهوى، وأن يوقظنا من رقدة الغفلة قبل معاينة الردى غدا، ويرزقنا الإعتبار ولمن دخل عنا وغدا ، والعمل بقوله {أيحسب الإنسان أن يترك سدى}. آخر الجزء.

والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

الهوامش:
(*) للتواصل: al_roh-@hotmail.com
(1) ذكر الإمام أبو عبد الله القرطبي هذا الأثر الموقوف عن أمير المومنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمعناه في تفسير قوله تعالى "وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال" قال ناقلا عن الإمام أبي بكر بن الأنباري: … في الحديث الذي حدثناه أحمد بن الحسين حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن دانيل قال سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: إن جبار من الجبابرة قال لا أنتهي حتى أعلم من في السماء، فعمد إلى فراخ نسور، فأمر أن تطعم اللحم حتى اشتدت وعضلت واستعلجت، أمر بأن يتخذ تابوت يسع فيه رجلين، وأن يجعل فيه عصا في رأسها لحم شديد حمرته، وأن يستوثق من أرجل النسور بالأوتاد، وتشد إلى قوائم التابوت، ثم جلس هو وصاحب له في التابوت وأثار النسور فلما رأت اللحم طلبته، فجعلت ترفع التابوت حتى بلغت به ما شاء الله، فقال الجبار لصاحبه ، افتح الباب فانظر ما ترى؟ فقال:ما أرى إلا السماء وما تزداد منا إلا بعدا، فقال :نكس العصا فنكسها، فانقضت النسور.فلما وقع التابوت على الأرض سمعت له هدة كادت الجبال تزول عن مراتبها منها، قال: فسمعت عليا رضي الله عنه يقرأ "وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال"بفتح اللام الأولى من "لتزول" وضم الثانية.وقد ذكر الثعالبي هذا الخبر، وأن الجبار هو النمرود الذي حاج إبراهيم في ربه."انتهى كلامه. قلت وللخبر طريق أخرى بمعناه عن علي رضي الله عنه رواها حجة الإسلام الطبري في تاريخه قال:" حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا محمد بن أبي عدي عن شعبة عن أبي إسحاق قال حدثنا عبد الرحمن بن دانيل أن عليا عليه السلام وذكر الخبر قريبا من هذا.
(2) المعوز: يقال رجل معوز أي قليل الشيء، من العوز بفتح الواو.
(3)المدلك:برفع الميم وسكون المهملة وكسر اللام بعدها ، هو الذي لا يرفع نفسه عن دنية.
(4) كذا بالأصل ولعلها صار
(5)وهؤلاء معادنهم خبيثة وعناصرهم فاسدة لا يخل منهم عصر من الأعصار كما لا يخل عصر من أهل الله والعقل، وصدق أبو الفرج فإن مداركهم تقف عند المحسوسات لا تتجاوزها ولا تنفذ إلى ما ورائها، فإن الأثر يدل على المسير والمصنوعات تدل على صانعها.
(6) هو الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي كبير فقهاء الحنابلة في زمانه، قال ابن ناصر:ما كان في مذهبنا أحد مثله" توفي رحمه الله بكرة الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.وصلي عليه في جامعي القصر المنصور.وكان الإمام عليه في جامع القصر:ابن شفيع وكان الجمع يفوت الإحصاء.من كلامه في صفة الربيع:إن الأرض أهدت إلى السماء غبرتها بترقية الغيوم، فكستها السماء زهرتها من الكواكب والنجوم.والإمام أبو الفرج من تلاميذه.
(7)الواو أضفتها لسياق الكلام
(8)كذا بالأصل
(9) قال صاحب لسان العرب: ساسان اسم كسرى، وأبو ساسان من كناهم ، وقال بعضهم: إنما هو أنوساسان.وقال الليث: أبو ساسان كنية كسرى وهو أعجمي وكان الحصين بن المنذر يكنى بهذه الكنية أيضا.
(10)هذا تحريف والصواب جريبة بن أشيم الفقعسي فهو صاحب هذه الأبيات.
(11)وبعضهم يجعل بدل يعيا :تعبا. وهو أجود
(12) المسة :بتشديد السين وخففها ابن دريد، لعبة فإذا وقعت يد الللاعب من آخر على بدنه، رأسه أو كتفه، فهي المسة، وإذا وقعت على الرجل فهي الأسن.أنظر اللسان والقامس المحيط، وجمهرة اللغة لابن دريد.
(13)كذا
(14)يصول: صال عليه يصول إذا استطال عليه، والصولة الوثبة، يقال: رب قول أشد من صول وفي حديث الدعاء: بك أصول أي أسطو وأقهر.
(15)صخ: يقال صخ الصوت الأذن صخها صخا أي طعنها فصمها لشدته. ومنه الصاخة وهي الصيحة التي تصخ الأسماع أي تقرعها وتصمها.
(16)أضفتها لملائمة الكلام
(17)كذا
(18)ومن هذا الباب ما يجري في هذا الوقت بين أبناء المسلمين في الديار العراقية-ردها الله للمسلمين وحرس حوزتها وحمى بيضتها وأهلك عدوها وحفظ أهلها بما حفظ به الذكر الحكيم- من تقاتل وسفك للدماء المحرمة.
(19)يريد الجهر بالبسملة في الصلاة على الخلاف المعروف بين أرباب المذاهب .
(20)صحيح أصله عند مسلم وغيره
(21)هكذا استظهرته من المخطوط.والله أعلم
(22)رواه الطبراني في المعجم الكبير والأوسط عن عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه بسياق أبسط من هذا .قال الهيتمي في مجمع الزوائد: فيه أبو جنادة وهو ضعيف.وقال الحافظ في لسان الميزان:أبو جنادة عن الأعمش وهو حصين بن مخارق متهم بالكذب..وقد ذكره بن حبان في الكنى فقال :لاتجوز الرواية عنه .ثم ساق له هذا الحديث.

 

 

 

 

 

 


 


ظهر في زماننا خلق كثير من الوعاظ يعتمدون ما لايصلح ، فمنهم من يورد الأحاديث الباطلة، وأقر بعضهم إلى اختراع أحاديث في الحال ، ومنهم متصنع بإنشاد الغزل وعنده من الجهال من يتخبط ويظهر أنه عن وجد، والعقل ينادي هؤلاء، ويحكم إذا لم تصلحوا بواطنكم فكيف يصلح الفاسد منكم.؟

 


مال الهوى بالأمراء حبا للرياسة وتناول الشهوات، فتأمروا ولا يستحقون، كما تأمر مروان وعبد الملك مع وجود ابن الزبير، وقبلهما يزيد مع وجود الحسين، ثم صار أكثر الأمراء يفعلون برأيهم البعيد من المشروع، فيقتلون من لايجوز قتله، ويقطعون من لا يجوز قطعه، ويسمون ذلك سياسة، وإنما السياسة هي الشرع.

 


ومن العصبية القبيحة التعصب لمعاوية على علي وليزيد على الحسين، وما زالت العصبية في ذلك بين العوام حتى قتل منهم خلق لايدري القاتل لم قتل، ولا المقتول لم قتل، وإنما هو مجرد هوى

 


 


 


أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب, اسلاميات, بحوث, دين, زيارة الحكمة, سياسة, مختارات, مقالات | السمات:, , , , , , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



زارتنا البركة                                                                              أهلا وسهلا في الحديقة