صرخة الكواكبي1
كتبهاطه أحمد ، في 16 يوليو 2007 الساعة: 00:50 ص
شَدوٌ من طبَائع الاستبدَاد ومصَارِع الاستِعبَاد
لغطريف الشام وفقيد الفكر العربي: العلامة عبد الرحمن الكواكبي

نعم, لولا حلم الله لخسف الأرض بالعرب, حيث أرسل لهم رسولا من أنفسهم أسّس لهم أفضل حكومة أسست في الناس, جعل قاعدتها قوله: كلكلم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) أي كل منكم سلطان عام ومسؤول عن الأمة. وهذه الجملة التي هي أسمى وأبلغ ما قاله مشرع سياسي من الأولين والآخرين, فجاء من المنافقين من حرّف المعنى عن ظاهره وعموميته, إلى أن المسلم راع على عائلته ومسؤول عنها فقط, كما حرَّفوا معنى الآية: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) إلى ولاية الشهادة دون الولاية العامة.
وهكذا غيروا مفهوم اللغة, وبدَّلوا الدين, وطمسوا على العقول حتى جعلوا الناس ينسون لذة الاستقلال, وعزة الحرية, بل جعلوهم لا يعقلون كيف تحكم أمة نفسها بنفسها دون سلطان قاهر.
وكأن المسلمين لم يسمعوا بقول النبي عليه السلام: الناس سواسية كأسنان المشط, لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى), وهذا الحديث من أصح الأحاديث لمطابقته للحكمة ومجيئه مفسرا الآية: إن أكرمكم عند الله أتقاكم), فإن الله جلَّ شأنه ساوى بين عباده مؤمنين وكافرين في المكرمة بقوله: ولقد كرّمنا بني آدم) ثم جعل الأفضلية في الكرامة للمتقين فقط. ومعنى التقوى, لغة ليس كثرة العبادة كما صار ذلك حقيقة عرفية غرسها علماء الاستبداد القائلين في تفسير (عند الله) أي في الآخرة دون الدنيا, بل التقوى, لغة, هي الاتقاء أي الابتعاد عن رذائل الأعمال احترازاً من عقوبة الله, فقوله: إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم) كقوله إن أفضل الناس أكثرهم ابتعادا عن الآثام وسوء عواقبها.
وقد ظهر مما تقدم أن الإسلامية مؤسسة على أصول الحرية برفعها كل سيطرة وتحكُّم, بأمرها العدل والمساواة والقسط والإخاء, وبحضها على الإحسان والتحابب, وقد جعلت أصول حكومتها: الشورى الأريستوقراطية, أي شورى أهل الحل والعقد, في الأمة بعقولهم لا بسيوفهم, وجعل أصول إدارة الأمة: التشريع الديمقراطي أي الاشتراكي( قلت طه:يعني بالمشاركة وليس الاشتراكية المذهب الاجتماعي المعروف) حسبما يأتي فيما بعد, وقد مضى عهد النبي عليه السلام وعهد الخلفاء الراشدين على هذه الأصول بأتم وأكمل صورها.
ومن المعلوم أنه لا يوجد في الإسلامية نفوذ ديني مطلق في غير مسائل إقامة شعائر الدين, ومنها القواعد العامة التشريعية التي لا تبلغ مائة قاعدة وحكم, كلها من أجلِّ وأحسن ما اهتدى إليه المشرعون من قبل ومن بعد.
ولكن واأسفاه على هذا الدين الحُرّ, الحكيم, السهل, السمح, الظاهرة فيه آثار الرقي على غيره من سوابقه, الدين الذي رفع الإصر والأغلال, وأباد الميزة, والاستبداد, الدين الذي ظلمه الجاهلون فهجروا حكمة القرآن ودفنوها في قبور الهوان, الدين الذي فقد الأنصار الأبرار, والحكماء الأخيار, فسطا عليه المستبدون والمترشحون للاستبداد, واتخذوه وسيلة لتفريق الكلمة وتقسيم الأمة شيعا, وجعلوه آلة لأهوائهم السياسية فضيَّعوا مزاياه وحيَّروا أهله بالتفريع والتوسيع, والتشديد والتشويش, وإدخال ما ليس منه فيه كما فعل قبلهم أصحاب الأديان السائرة, حتى جعلوه ديناً حرجاً يتوهم الناس فيه أن كل ما دونه المتفننون بين دفتي كتاب ينسب لاسم إسلامي هو من الدين, وبمقتضاها لا يقوى على القيام بواجباته وآدابه ومزيداته, إلا من لا علاقة له بالحياة الدنيا, بل أصبحت بمقتضاها حياة الإنسان الطويل العمر, العاطل عن كل عمل, لا تفي بتعلم ما هي الإسلامية عجزا عن تمييز الصحيح من الباطل من تلك الآراء المتشعبة التي أطال أهلها فيها الجدال والمناظرة, وما افترقوا إلا وكل منهم في موقفه الأول يظهر أنه ألزم خصمه الحجة وأسكته بالبرهان, والحقيقة أن كلاًّ منهم قد سكت تعبا وكلالاً من المشاغبة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب, اسلاميات, دين, سياسة, مختارات, مقالات | السمات:مقالات, مختارات, أدب, اسلاميات, دين, سياسة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

































