ارتسامات لطاف
كتبهاطه أحمد ، في 3 أغسطس 2007 الساعة: 00:37 ص
ارتسامات الأمير أرسلان حول المقري وتأليفه الفريد نفح الطيب
وكلمة المقري المثيرة في حق الشاميين خلد الله ذكرهم واعتزاز الأمير بها
.jpg)
اعلم أعزك الله أنه لا يزال نفح الطيب من أعظم المراجع التي يعول عليها المحققون في أخبار الأندلس, برغم كل ما عليه من مآخذ ومغامز, وما فاته من مباحث ومسائل, وذلك لأن صاحبه اتصل بكتب كثيرة لم يتيسر لغيره الاطلاع عليها, وشافه في الشرق والغرب عدداً كبيراً من الجِلّة وحاضَرَهم, وكان المقري نفسه مولعا بأخبار الأندلس, متخصصا فيها حافظاً من أنبائها, وكلام علمائها, ونظم شعرائها, ولا سيما من أقوال لسان الدين بن الخطيب وزير بني الأحمر الشهير- بما يكاد يكون من المعجزات, ولما كان قد رحل إلى المشرق, كأكثر علماء المغرب, وحج البيت الحرام خمس مرات, وزار المدينة المنورة, والبيت المقدس, انتهى في طوافه إلى دمشق الشام التي أخذت بمجامع فؤاده, فألقى عصا التسيار, وتعرف بكثير من علماء الشام وأدبائها وسراتها, فكان ذكر الأندلس أمامهم ملهج لسانه الدائم, وغرام قلبه الملازم, فأرادوه أولاً على تأليف كتاب يتضمن مرويّاته عن لسان الدين بن الخطيب, فصحت عزيمته على ذلك, وبدأ بكتابة هذا الكتاب سنة تسع وثلاثين وألف للهجرة النبوية, على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية.
إلا أنه بعد بدأ به بدا له أن يتوسع في الموضوع, ولا يقتصر على أخبار لسان الدين وحده, فكان عندما شرع بهذا التأليف سماه (عَرف الطيب في التعريف بالوزير ابن الخطيب) ثم لما أجمع التوسع في الموضوع عاد فسمى كتابه ب( نفح الطيب, من غصن الأندلس الرطيب, وذكر وزيرها لسان الدين ابن الخطيب) وهو لعمري اسم لائق بمسماه, ولفظ موافق لمعناه, ولا أظنه يوجد اسم ألذّ للقارئ من اسم (نفح الطيب) كما أن الملابسة ظاهرة بين قوله (غصن الأندلس الرطيب) ومزايا الأندلس الطبيعية في كثرة جنانها وبساتينها ووفرة فواكهها ورياحينها, وما اتصفت به من الخصب والنماء, وجَمَعَته من زكاء الارض إلى خير السماء, ولما كان للسان الدين بن الخطيب, في هذا الكتاب الحصة الكبرى في الآثار المروية, والأصوات المحكية, لم يكن من العجب أن يجعل اسمه فيه وقد كان في الأصل هو المقصود بالتأليف. هذا وقد كان تأليف المقري للنفح حينما كان مقيماً بالشام, ولذلك قال عنه في المقدمة ما يلي:
(( وله بالشام تعلق من وجوه عديدة, هادية لمتأمله إلى الطريق السديدة, أولها أن الداعي لتأليفه أهل الشام, أبقى الله مآثرهم, وجعلها على مرّ الزمان مديدة, ثانيها أن الفاتحين للأندلس هم أهل الشام, ذوو الشوكة والنجدة الحديدة, ثالثها أن غالب أهل الأندلس من عرب الشام الذين اتخذوا بالأندلس وطناً مستأنفاً, وحضرة جديدة. ورابعها أن غرناطة نزل بها أهل دمشق, وسموها باسمها, لشبهها بها في القصر والنهر, والدوح والزهر, والغوطة الفيحاء, وهذه مناسبة قوية العرى شديدة.))اهـ
قد يكون كلام المقري هذا مما لا يعجب بعض الثائرين على السجع في أخريات هذه الأيام ولكنه ذو معنى كبير وفيه تصريح خطير, ولذلك فإن ثورة هذه الفئة على السجع والفاصلة, ليس من شأنها أن تفل من حد رغبتنا في نقل كلام يعود على وطننا الشامي بشقص كهذا من الفخر لم يوفره لغيره ثقة كبير, كأبي العباس أحمد المقري المغربي, إن لم يكن هو حجة في أخبار الأندلس فيا ليت شعري من يكون الحجة؟ فنحن رواة عنه, ونقلة من نصوصه بأسجاعها وفواصلها وحروفها وحركاتها.
عن الحلل السندسية للأمير شكيب أرسلان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب, اسلاميات, تاريخ, دين, سياسة, مختارات, مقالات | السمات:مقالات, مختارات, أدب, اسلاميات, تاريخ, دين, سياسة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

































