نظرة إجمالية في الطبيعة العمرانية الأندلسية
كتبهاطه أحمد ، في 6 أغسطس 2007 الساعة: 23:40 م
الطبيعة العمرانية للجزيرة الأندلسية وأثر المدنية الاسلامية فيها
عن الحلل السندسية للأمير شكيب أرسلان
( أما من جهة المدنية فهي في جنوبي اسبانية راجعة إلى أشد أدوار التاريخ توغلاً في القدم, وقد كان للفينيقيين في هذه البلاد دور طويل عريض, وقد أثّروا فيها آثاراً, لا تزال بقاياها ماثلة إلى الآن, ثم جاء الرومانيون, وكانت لهم طبيعة عمرانية معروفة لهم شرقاً وغرباً, فوجدوا مجال العمل في اسبانية ذا سعة, فعملوا, وبنوا, وأثّروا, وأثّلوا, وتركوا, آثاراً ناطقة بفضلهم, وجسوراً وأقنية معلقة منبئة عن شأوهم, وملاهي وهياكل, كالتي في ماردة, وطرَّكونة, ومربيطر, وغيرها مما لا يدرسه الزمان, ولا ينال منه الحدثان.
وجاء بعد ذلك العرب فأثلوا في الجزيرة الايبيرية, أو الجزيرة الأندلسية على رأيهم, حضارة عربية شرقية بلغت من الأبهة, والفراهة, وسلامة الذوق, سدرة المنتهى, فلا تكاد تمر بمكان إلا للعرب فيه آثار باهرة, وعنهم أخبار تتحدث بها السامرة, و لا يزال نظام سقيا الجنان, وتوزيع المياه على الأرضين, هو النظام الذي رتبوه في أيامهم, ثم إنه لا ينكر أن الفن المسيحي, سواء في القرون الوسطى, أو من بعد عهد النهضة, قد ترك في اسبانية آثاراً فاخرة, ومباني فخمة, كقصر الاسكوريال مثلاً.
فالذين يقصدون إلى اسبانية من السياح لا تخيب آمالهم, ولا تذهب نفقاتهم سدى, وذلك لأن السائح الأوروبي يجد دائماً في اسبانية أشياء جديدة بالنسبة إليه.
فالبلاد كلها عبارة عن جزيرة يحيط بها البحر من جهاتها الثلاث, وتحيط بها جبال البرانس الشامخة من الجهة الرابعة, فهي معتزلة في مكانها, منتبذة من أوروبة زاوية خاصة بها, غير متأثرة بغيرها, محتفظة بجميع مميزاتها وخصائصها, لا هي شرقية تماماً, ولا هي غربية تماماً, بل هي متوسطة بين أوروبة وأفريقية, واصلة بين المشرق والمغرب, منطوية في أنحاء وجودها المستقل- على أسرار لا يعرفها إلا من أكثر من التجوال فيها, وقرن السير بالنظر.
وهناك شعب شديد الخنزوانة قائم بذاته, لا يشبه غيره, و لا يريد أن يتشبه بغيره, وله مآخذ ومتارك لا ينزل عنها, وهو بفطرته لا يحب تقليد الشعوب الأخرى, بل هو من قديم الزمان مستمسك بأوضاعه, متعال عن السير وراء أقرانه, لا يرضى بما لديه بدلاً, ولا يبتغي عما ائتلفه حِوَلاً.
نعم من جهة الصناعة وفن الرسم والتصوير قد يقلّد الاسبانيول سواهم, بل يجد الناظر في كنائسهم وقصورهم آثاراً للفن الايطالي, الذي يدور على محاكاة الطبيعة.
وكذلك يجد في رسومهم وتصاويرهم تأثر الفن الافرنسي, والفلمنكي,بل ليس في اسبانية فن تصوير خاص بها, ولا فن بناء خاص بها, وإنما هي محاكاة للأمم الغربية الأخرى مع جزء فيها من الطبع الاسباني.
وإذا كان السائح الأوروبي لم يعرف بلاد الشرق, أو لم يقيض له أن يزور بلاد الإسلام, فإنه يجد في اسبانية آثاراً عربية, تكفيه لأخذ صورة حقيقية عن المدنية الإسلامية, التي منها في الأندلس أمثلة كافية, قِطَع تعد من أنفس وأرقى ما تركه العرب من الآثار في الأرض.
وأما السائح الشرقي فإنه يقضي سياحته في اسبانية متأملاً, غائصاً في بحار العبر, هائماً في أودية الفكر. كلما عثر على أثر عربي خفق له قلبه, واهتزت أعصابه, وتأمل في عظمة قومه الخالين, وما كانوا عليه من بعد النظر, وعلو همم, وسلامة ذوق, ورفق يد, ودقة صنعة. وكيف سمت بهم هممهم إلى أن يقوموا بتلك الفتوحات في ما وراء البحر في بحبوحة النصرانية, وملتطم أمواج الأمم الأوروبية, وأن يبنوا فيها بناء الخالدين, يشيدوا فيها ألوفاً من الحصون, وأن يملأوها أساساً وغراساً, كأنهم فيها أبد الآبدين, فلا يزال قلب السائح المسلم في الأندلس مقسّماً بين الإعجاب بما صنعه آباؤه فيها, والابتهاج بما يعثر عليه من آثارهم, وبين الحزن على خروجهم من ذلك الفردوس الذي كانوا ملكوه, والوجد على ضياع ذلك الإرث الذي عادوا فتركوه, وأكثر ما يغلب عليه في سياحته هناك هو الشعور بالألم (1), فهو لا يزال يسير بين تأمل وتألم, وتفكر وتحسّر, لكنه يريد مع ذلك أن يقتري هذه الآثار, وأن يمشي في مساكن أولئك الآباء, وأن يخاطب الأحجار, وذلك لأنه لهوى النفوس سرائر لا تُعلم, من جملتها أنها تنزع إلى البكاء عند دواعي الوجد, كما ترتاح إلى الطرب عند بواعث السرور, وأنها قد تهتف بالأمرين معاً, وتجمع الضدين شَرَعاً, وأن كل ما هو حنين وتذكار, وولوع بعد الأعيان بالآثار, هو من سرائر البشرية, ومما هو غالب على النفس الناطقة.)) اهـ
1- كلام الأمير هنا يقع في الصميم, فإنني ما نسيت ذلك اليوم الذي دخلت فيه قصر الحمراء بغرناطة أول مرة وقد ارتهنتني المواجد, و أخذ الألم الشديد بمخانق نفسي بما لاعهد لي بمثله, ولست تر مثل السائح العربي هناك يتم حال, وكسوف بال, وخفق فؤاد, وذهول خاطر, فإن كان أديبا ثقفا فإن لسانه لا يفتأ يلهج بأبيات الرثاء التي أنشأها الشعراء عقب سقوط مملكة غرناطة وغيرها من مدائن الأندلس. ومهما وصف المرء من ذلك, فإن الحالة التي تتقمّص القلب المسلم وهو يطالع أثر الجلدة, وصنعة القوم, لا تستوفيها العبارة فهي كما قال الأمير من سرائر النفوس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب, اسلاميات, تاريخ, دين, سياسة, مختارات, مقالات | السمات:مقالات, مختارات, أدب, اسلاميات, تاريخ, دين, سياسة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


































أغسطس 7th, 2007 at 7 أغسطس 2007 7:40 م
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مدونة جميلة ومواضيع رائعة تستحق الزيارة
أتمنى لك التوفيق
وأتمنى منكم زيارة مدونتي عالم الأطفال ووضع بصمتكم الغالية فيها