الطبيعة العمرانية للجزيرة الأندلسية وأثر المدنية الاسلامية فيها
عن الحلل السندسية للأمير شكيب أرسلان
( أما من جهة المدنية فهي في جنوبي اسبانية راجعة إلى أشد أدوار التاريخ توغلاً في القدم, وقد كان للفينيقيين في هذه البلاد دور طويل عريض, وقد أثّروا فيها آثاراً, لا تزال بقاياها ماثلة إلى الآن, ثم جاء الرومانيون, وكانت لهم طبيعة عمرانية معروفة لهم شرقاً وغرباً, فوجدوا مجال العمل في اسبانية ذا سعة, فعملوا, وبنوا, وأثّروا, وأثّلوا, وتركوا, آثاراً ناطقة بفضلهم, وجسوراً وأقنية معلقة منبئة عن شأوهم, وملاهي وهياكل, كالتي في ماردة, وطرَّكونة, ومربيطر, وغيرها مما لا يدرسه الزمان, ولا ينال منه الحدثان.
وجاء بعد ذلك العرب فأثلوا في الجزيرة الايبيرية, أو الجزيرة الأندلسية على رأيهم, حضارة عربية شرقية بلغت من الأبهة, والفراهة, وسلامة الذوق, سدرة المنتهى, فلا تكاد تمر بمكان إلا للعرب فيه آثار باهرة, وعنهم أخبار تتحدث بها السامرة, و لا يزال نظام سقيا الجنان, وتوزيع المياه على الأرضين, هو النظام الذي رتبوه في أيامهم, ثم إنه لا ينكر أن الفن المسيحي, سواء في القرون الوسطى, أو من بعد عهد النهضة, قد ترك في اسبانية آثاراً فاخرة, ومباني فخمة, كقصر الاسكوريال مثلاً.
فالذين يقصدون إلى اسبانية من السياح لا تخيب آمالهم, ولا تذهب نفقاتهم سدى, وذلك لأن السائح الأوروبي يجد دائماً في اسبانية أشياء جديدة بالنسبة إليه.
فالبلاد كلها عبارة عن جزيرة يحيط بها البحر من جهاتها الثلاث, وتحيط بها جبال البرانس الشامخة من الجهة الرابعة, فهي معتزلة في مكانها, منتبذة من أوروبة زاوية خاصة بها, غير متأثرة بغيرها, محتفظة بجميع مميزاتها وخصائصها, لا هي شرقية تماماً, ولا هي غربية تماماً, بل هي متوسطة بين أوروبة وأفريقية, واصلة بين المشرق والمغرب, منطو
المزيد