أمِيرُ البَيَانِ ورَأسُ العُرُوبََةِ 

                                                                                                        

 

       

حَضرَةُ الأَمِيرِ شَكِيب أَرْسَلاَن

                           


اسم الجزيرة الأندلسية

يوليو 31st, 2007 كتبها طه أحمد نشر في , أدب, اسلاميات, بحوث, دين, سياسة, مختارات, مقالات

اسمُ الجَزيرةِ الأندلُسيّة

بقلم أمير البيان شكيب أرسلان  

 

أما الجزيرة الأندلسية التي كان العرب يسمون بها هذه البلاد فهي منسوبة إلى الأندلس وقد كثر الكلام في أصل هذه اللفظة, ولكن أرجح الأقوال أنها مشتقة من اسم (الفاندالس) وهم جيل من الناس كانوا يسكنون بين نهر (الأودر) ونهر (الفيستول) في شرقي ألمانية. ويقال إنهم من أصل جرماني, ويقال إن بعضهم من أصل سلافي أوصقلي كما تقول العرب. وهؤلاء الفاندالس زحفوا من الشمال إلى الجنوب حتى بلغوا بوغاز جبل طارق, وذلك سنة 411 قبل المسيح. ومن هناك أجازوا إلى أفريقية. فلما عرفهم أهل أفريقية أطلقوا اسمهم على البلاد التي جاؤوهم منها وسموا هذه البلاد بالأندلس. وقالوا إن عبورهم إلى المغرب كان من جهة (طريف) وقالوا بل من الجزيرة الخضراء.

وجاء في الانسيكلوبيديا الإسلامية في الجزء الأول صفحة 354 بقلم سيبولد أن الفاندالس لم يقيموا في جنوبي أسبانية إلى ثماني عشرة سنة لا غير, وأن بلاد جنوبي أسبانية كان يقال لها إلى ذلك الوقت (باتيكه) فصار يقال لها (فانداليسيا) ومنها جاءت لفظة الأندلس, ولما جاء العرب وفتحوا أسبانية أطلقوا عليها هذا الاسم وصاروا يقولون أندلس, لا للبقعة الجنوبية المقابلة للمغرب فحسب, بل لجميع الجزيرة الأيبيرية ولجميع ما فتحوه من البلدان بعد أن عبروا بوغاز جبل طارق. فالأندلس عند العرب هي من بحر الزقاق أو بوغاز جبل طارق, إلى جبال البرانس. وربما أطلقوا لفظة الأندلس على ما وراء البرانس من أرض الفرنجة. فأما الأسبان أنفسهم فكانوا لا يعرفون هذا الاسم قبل العرب وكانوا يسمون البقاع الجنوبية من الجزيرة الأيبيرية بأسبانية القديمة, كما كانوا يسمون شمالي أسبانية بأسمائها المختلفة مثل استورية التي كان العرب يقولون لها اشتورية أو اشتورياس ومثل ليو

المزيد


صولة العقل على الهوى

يوليو 5th, 2007 كتبها طه أحمد نشر في , أدب, اسلاميات, بحوث, دين, زيارة الحكمة, سياسة, مختارات, مقالات

صَوْلةُ العَقلِ عَلى الهَوَى

تأليف الإمامِ الحُجَّة أبي الفرج بن الجوزي 
حقق أصله وعلق عليه: طه أحمد لمخيَّر  (*)

باسمك اللهم: اللهم اجعل لهذا المخطوط المحقق من اسمك فائدة الذكر والبقاء, واكتب له ولمؤلفه من حمدك معنى القبول والثناء, وألْقِ عليه من أثر الحكمة بركة المنفعة والنماء. 

وبعد:

فهذه رسالة لطيفة، وعجالة شريفة، حققت أصلها من المخطوطة الأزهرية، أضعها بين يدي قراء الجوائب، تامة كاملة رائقة، إلا بعض الحروف والجمل القلائل لغموض في الخط أو خرم في الورقة، وعلقت عليها بتعليقات لائقة ، وشرحت غريبها، وخرجت حديثها. ألفها فريد الوقت ولب الإيمان، وحيد الدهر وواعظ الزمان، أبو الفرج بن الجوزي-جعل الله قراره في الجنان-، انتصر فيها للعقل على الهوى، وللبصيرة على العمى، استهلها بذكر العقل وماهيته، ووالاه بالتنبيه على محله وفائدته ، ثم شرَفه بدلالته على الخالق الحكيم ، والصانع العليم، وفضله في تثبيت النبوات ونصرة الرسالات، ثم أخذ في سرد مذاهب الجبابرة ومسالك الأكاسرة، وانصرافهم إلى الكائنات دون مكونها، والمخلوقات دون خالقها، ثم الأمم القديمة على اختلافها من هندها إلى عربها، ذاكرا ما تميزت به هذه الأمم ، واختصت به من المناقب والفضائل والبدائع والصنائع والعلوم والفهوم والهمم، ثم هي في الأمور الإلهية تخالف العقل وتأتي بالعجائب والغرائب. ثم يعقب هذا بذكر الفرق التي ظهرت في الإسلام والمذاهب التي انتسبت لكل إمام، وما فعلت بها العصبية والهوى حتى تقاتل أصحابها وسفكوا الدماء الحرام، أو تهاجروا بالقول ، وابتركوا في أعراض إخوانهم يقصبونها، حتى لا يلقي الأخ على أخيه السلام، ثم يتبع هذا بذكر ما فعله الهوى بأصناف الناس وطبقاتهم، من طلاب الدنيا والرياسة، وأهل العلم والكياسة، وأهل الغفلة، وأرباب التجارات، والمبالغون في المباحات، وأهل الزهد والمواظبة على التعبدات، والقصاص والوعاظ وشحنهم لكلامهم بالأحاديث الباطلة والموضوعات، وهو أثناء ذلك كله يورد نداء العقل لطوائف البشر وصياحه، وصولته عليهم في غدوه ورواحه، ويختم الرسالة بفصل في نفاسة الزمن واغتنامه في الصالحات، ومسارعة الأوقات ومسابقة اللحظات، فإن الوقت أهم ما كلف المرء بحفظه وهو أهون شيء عليه يضيع.

أسأل الله أن ينفع بها من ألفها ونسخها وحققها وقرأها، وأن ينصرنا على أهوائنا وخسائس أنفسنا، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر

قال شيخ الأمة وعلم الأئمة ناصر السنة أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي:

الحمد لله الذي هدى بالعقل سواء السبيل، فدل على النجاة ونعم الدليل، وأعزه بالحجة فإذا خصمه ذليل، وجعل عليه دون غيره التعويل، غير أن الهوى خلق خفيف وهو مر ثقيل، لكن قدره عند محتسب العواقب قدر جليل، وميزانه سليم العلاقة ولاينقص ولايميل، فالحمد لله الذي جعل حظنا منه كثيرا غير قليل، فبه عرفنا الخالق وعلمنا نفي العديل، وصدقنا الرسول والكتاب الجليل، وفهمنا مراد الوجود وتلمحنا المقيل، فتزودنا للنقلة وتهيأنا للرحيل، وانتهبنا الفضائل وشفينا من نيلها العليل، ونبهنا بهذه النصيحة أهل النوم الطويل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فصل

العقل غريزة كأنما بها نور يقذف في القلب، فيستعمل لإدراك الأشياء، ويعلم به جواز الجائزات، واستحالة المستحيلات، ويتلمح عواقب الأمور، وذلك نور يقل ويكثر، ومحله القلب وقيل الدماغ، ثم هو يقوى بالتجارب، قال ابن عباس:"لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل فقال أدبر فأدبر فقال وعزتي ما خلقت خلقا قط أحسن منك فبك أعطي وبك آخذ وبك أعاقب" واعلم أنما تتبين فضيلة الشيء بثمرته وفائدته، وقد علم أن العقل هو الذي دل على الإله سبحانه وأمر بطاعته، وثبت معجزات الرسل فأمر بطاعتهم وحث على الفضائل ودم في استخدام المخلوقات، فلا ينبغي أن يدال عدوه الذي هو الهوى عليه، لأن العقل ينظر في العواقب، والهوى ينظر إلى محبوب حاضر ولا ينظر في عاقبة ذلك ولا في عيوبه، فكم قد أفات من فضيلة، وكم أوقع في رذيلة، وكم قد حمل مقلدا في اعتقاده إلى النار، وكم ألزم أتباعه من ذل وصغار، وقبائح ليس لمكسورها انجبار.

فصل

إذا تم عقل العاقل حركه إلى معرفة الصانع وهي أول واجب على المكلف، وطريقها النظر والإستدلال، والله تعالى هو الموجب والعقل يكشف عن وجه الوجوب لا أنه يوجب بنفسه، ومن قال إن العقل يوجب فإلى هذا يشير، فإذا لزم النظر والاستدلال فالدليل على الخالق المخلوقات، ومن تأمل ما في بدنه من الحكمة وما في الكائنات كلها من الصنعة، وتيقن أنها لم توجد بنفسها ولا أنها صنعت نفسها، علم قطعا وجود صانع فمتى جحده استحق العقاب ولو لم تبلغه دعوة نبي، فمتى حادث المخلوقات ناطقته وأخبرته بوجود الخالق، ولينظر في كتابنا المسمى "عجائب البدائع"، فإنه يرى ما يدهشه.ثم إن الله سبحانه قد استفتح هذا العالم الإنسي بأبيهم آدم فجعله نبيا مرسلا إليهم يخبرهم بوجود الخالق، ثم لم يخل العصور من نبي وأتباع نبي يدعون إلى ذلك، فقد زالت الأعذار شرعا وعقلا.

فصل

وانملس أقوام فخرجوا عن مأمور الشرع والعقل، فشغلهم النظر إلى الكائنات عن التفكر في مكونها، فغلبت عليهم الأحاسيس، والإحساس لا يري الخالق، فجحدوا وجوده فمنهم نمرود الذي حاج إبراهيم في ربه، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:"قال نمرود لا أنتهي حتى أنظر إلى السماء فأمر بفرخي نسر، فربيا حتى سمنا واستعلجا، ثم أمر بتابوت فنحت، ثم جعل في وسطه خشبة، وجعل على رأس الخشبة لحما شديد الحمرة، ثم جوعهما وربط أرجلهما بأوتار إلى قوائم التابوت، ودخل هو وصاحب له في التابوت وأغلق بابه ثم أرسلهما، فجعل يريدان اللحم، فصعدا في السماء ما شاء الله، ثم قال لصاحبه، افتح وانظر ماذا ترى، ففتح فقال أرى الأرض كأنها دخان، فقال أغلق ثم صعدا ما شاء الله ثم قال له افتح ففتح، فقال ما أرى إلا السماء وما نزداد منها إلا بعدا، قال فصوب خشبتك فصوبها فانقضت النسور فسمعت الجبال صوتها فكادت تزول عن مواضعها، وقال ابن عباس:"بنى الصرح ثم صعد منه مع النسور"(1) وقال عكرمة:" كان معه في التابوت غلام، قد حمل القوس والنشاب فرمى سهم فعاد إليه ملطخا بالدم فقال كفيت إله السماء، وقال مجاهد هذه القصة جرت لبخت نصر وأن النسور لما صعدت إلى السماء، نودي أيها الطاغية أين تريد ؟ففزع. ومنهم فرعون فإنه جحد الصانع فلما أخبره موسى بوجوده قال "أوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا" فجاء في التفسير أن هامان جمع خمسين ألف بناء سوى الأتباع، فرفعوه ما لم يرفع بنيان قط، فارتقى فرعون فوقه، ورمى نحو السماء بنشابه، فردت وهي متلطخة بالدم فقال قتلت إله موسى، فبعث الله جبريل فضربه بجناحه فقطعه قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، وتبع هذين خلق كثير شغلهم النظر إلى المخلوقات عن التفكر في صانعها، والعقل يناديهم ويلكم كيف ينكر الصانع وكل الموجودات تنطق عنه، وليس فيكم من يقدر على رد النهار إذا أقبل ولا الليل إذا جاء ولا الماء إذا جرى و لا الشمس إذا طلعت، أفلا يستحي من يقول:"ما علمت لكم من إله غيري" وهو معوز(2) مدلك(3)، يرى من فعل الخالق عصا قد التقمت الجبال بأسرها ثم عادت عصا، ويشاهد البحر قد قام فيه الماء وصارت(4) يبسا، ونمرود يطلع بعد مدة على إبراهيم المحرق على زعمه فيراه في روضة، والعقل يصيح بهما وطرش الغفلة يمنع السماع.فإن قيل قد كان هؤلاء عقلاء يدبرون أمور الدنيا فكيف خفي عليهمة هذا الأمر العظيم؟فالجواب: أنهم غلبت عليهم الأحاسيس والخالق لا يعرف بها، ولهذا قال فرعون "وما رب العالمين" فطلب ماهية من لا ماهية له، والشيء إنما يكون من شيء يسبقه ذلك الشيء والخالق هو الأول، والعقل ينظر إلى عواقب الأحوال وثمراتها، والحس مستعجل لا يرى إلا الحاضر(5)، وقد كانوا أرباب علم بالحساب فقط، قال الحسن البصري:" يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا" قال

المزيد


حقيقة الأرقام العربية

يوليو 3rd, 2007 كتبها طه أحمد نشر في , أدب, اسلاميات, بحوث, دين, سياسة, مختارات, مقالات

الأرقام العربية الحقيقية

 

هذا بحث أنجزه الدكتور محمد الفاسي(عضو الأكاديمية الملكية المغربية ورئيس رابطة الجامعات الاسلامية)ترجم له ب: الأرقام العربية الحقيقية. ونشرته مجلة المنهل في عددها الثاني والخمسين بعد الأربعمائة لسنة 1407 ه الموافق 1987م نسخته منها بتمامه لما فيه من جليل الفائدة ونفيس المعلومة:
 
                   :الأرقام العربية الحقيقية  
 
أغرب ظاهرة حضارية في عصرنا هي نكر العرب أو بعضهم لأعظم اختراع قام به اسلافهم في ميدان العلوم الرياضية وعم نفعه العالم بأسره واعترفت به كل الأمم وهو اختراع الأرقام العربية التي يستعملها المغاربة قاطبة وأهل الأندلس وصقلية أيام حكم الإسلام لهما.. وهذا الاختراع هو ما يسمى الأرقام العربية في القارات كلها باستثناء الأمم العربية الشرقية الذين يستعملون الأرقام الهندية, أي الأجنبية.. والمؤسف ليس هو أن يستعملوا هذه الأرقام وينبذوا أرقامهم الأصلية ولكن أن ينتقدوا من يستعملون الأرقام ظنا منهم أنها أوربية, وهذا سببه الجهل والجهل المركب أي جهل الشخص لشيء وجهله لكونه يجهله وهذا ناتج عن تشبثهم بما وجدوا عليه آباءهم بدون تفكير و لاتمحيص.
والواقع أن هذه الأرقام العربية التي يسميها أحد مؤرخي العلوم الرياضية من الايطاليين  المعجزة العربية وهو عنوان كتاب له.. دخلت الأرقام [كذا] المغرب في أول ظهورها بالمشرق قبل أن يعمد المشارقة لسبب نجهله إلى استعمالها بشكلها الهندي الذي يخالف تعريف الصفر كما صوره العالم النابغة الخوارزمي أي دائرة صغيرة فارغة لذلك تسمى الصفر كما يقال صفر اليدين أي فارغهما..لا كما يصور في التنكر الهندي بتقطة عامرة يتكون منها السطر في علم الهندسة إذن لا علاقة لها بالصفر.. ثم إن العبرة مع ذلك ليست في الشكل وإنما في المبدأ الذي بنيت عليه اشكال الأرقام العشرة التي فكر في وضعها الخوارزمي اقتباسا من فكرة هندية طورها ورقاها وأعطاها شكلها النهائي منطلقا من

المزيد


الرد على القمني 1

يونيو 6th, 2007 كتبها طه أحمد نشر في , أدب, اسلاميات, بحوث, تاريخ, دين, سياسة, مختارات, مقالات

الرد على القمني في جحوده للمدنية الإسلامية1 


الجهالات والخزعبلات
توطئة
لقد دبَّ الفسادُ وذهب فينا كل مذهب, حتى أصبح أكبر أعداء المسلمين هم أناس من المسلمين, أولئك بطانة الأجانب الذين تجعلهم دولُ الاستعمار مطايا لها في الاستيلاء على أصقاع الإسلام, وهم الذين يسعون بين أيديها في كل دسيسة, ويدلونها على عورات المسلمين, ويبثون دعايتها بينهم, وتراهم مع ذلك وافرين في غضاضة, سادرين في غفلة, مسترسلين إلى دعة, يأكلون مما باعوا من تراث المسلمين, ويتكسبون بممالأة مزاعم أقوامهم ابتغاء مرضاة الفرنجة, وبما طعنوا على التمدن الإسلامي ونهضته, وتوثبوا إلى الوحي ورتبته, وأنكروا من فضائل العرب وصغَّروا من شأنهم بين الأمم.”أولئك شر مكانا وأضل سبيلا”.
 و لله در الملك ابن مسعود حيث قال:” ما أخشى على المسلمين إلا من المسلمين, ما أخشى من الأجانب كما أخشى من المسلمين”.
 
إن هؤلاء البوالين على أعقابهم من الجاحدين يأبون إلا أن يفرنجوا المسلمين, ويخرجوهم عن وجوه مزاعمهم ومشخصاتهم, ويحملوهم بالأراجيف والتكاذيب على إنكار مآثر الأجداد وآدابهم, وصنائع الأسلاف ومناقبهم, ولا تجد أحدهم إلا شعوبيا هجينا يعيش بين قوم وهو لهم كاره, أو ذو غ

المزيد


النص المحقق لمقامة السر المصون في مغازلة العيون ج1

يونيو 3rd, 2007 كتبها طه أحمد نشر في , أدب, اسلاميات, بحوث, دين, سياسة, مختارات, مقالات

الجزء الأول من مقامة السر المصون في مغازلة العيون

 

السِّرُّ المَصُون في مُغازلَة العُيُون

  

بسمه الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

هذه مقامة أنشأها الأديب الأريب محمد أفندي وهبي التميمي جمل الله الوجود بوجوده سماها: السر المصون في مغازلة العيون, وهي:

 

نشأتُ أعرف العيونَ هي المُقَل التي تنظر الخبز والماء, والأرض والسماء, والبعيد والقريب, والعدو والحبيب, إلى يوم انكشف غيمه وصحى, وحُشرت فيه الناس ضحى, وكان ذلك يوم الزينه, وقد برزت كل فرحة وحزينه, وبزغت من منازلها الكواكب, للفرجة على المواكب.

 

فبينما أخوض غمرات القتام1, وأسبح في تيار الزحام, إذ لمحت غادة ذات نقاب, كأنها الشمس تحت السحاب, تختلس ببهجتها النفوس, وتزدهي ازدهاء الطاووس, وهي تُسِرُّ لحظات التفرس, ولمحات التجسس, فكاد البصر ينهبها, والنظر يشربها, ولما أحست بانتباهي, ورأتني غير متلاهي, وجهت نحوي فلتات العيون, ولفتات الجفون, حتى تلاقينا باللحظين, وأسرت العين للعين, فرحتُ وأنا سكران, من خمرة الأجفان, وقلت إن هذا إلا سحر مبين, وفتنة للعالمين, وتطلَّبت حل مبهم هذا الرمز, وفك طلسم ذاك الكنز, وفزعت إلى ذات خدر كنت ألوذ بها لقربها, وأعوذ بها لأدبها, كاملة حسنا وعقلا, بارعة خُبْرا ونقلا, تشتمل بالتذكير على وصف ملة إبراهيم عليه السلام, وبالتأنيث على شطر كنية إمام الإسلام2, فبعد قضاء سنن التحية وفرض السلام, تماسكنا بأهداب المقال وأردان الكلام, وخضنا في حديث المال والولد, والعين والحسد,

 فقلت: أللعيون فتون ؟

 قالت: نعم كما للجنون,

 قلت: بالله أستعين, من شر العين,

 قالت: أي العيون تعني؟,

 قلت: كل عين تضني,

 قالت: قصدت العين البيضاء الزرقاء الضيقة الجاحظه,

 قلت: أردت العين السوداء النجلاء الواسعة اللاحظه,

 قالت: أبِنْ لي الإضمار, فوراء قدحك نار,

 قلت: أعندك للضيف إكرام,

 قالت: نعم سوى الحرام,

 قلت: لا أطلب غير الاستفادة,

 قالت: أتستفيد من غادة؟,

 قلت: العلم في الصدور لا في السطور,

 قالت: لا تخرج عن الدستور,

 قلت: والعافون عن الناس,

 قالت: إذاً لا باس,

 قلت: أتيتك سايلا, والسائل لا ينهر,

 قالت: ليس كل سائل مطهر,

 قلت: ما هذه المواربة في المقال,

 قالت: الجواب على قدر السؤال,

 قلت: بعزة الجمال وسر العيون, وعصر الشباب وعهد الشجون, ما الذي تقوله العين للعين, إذا اتَّحد مركز اللحظين,

 قالت وقد ثنتها أهواء الطرب, وحركتها نشوة الأدب: سألتني عن النبإ العظيم, والسر الكريم, فهل تصان لديك الوديعه,

 قلت: نعم وتحفظ عندي الصنيعه,

 قالت: سأنبِّئك بتأويل ما أوحته إلينا الألحاظ, لا ما روته لنا الحفاظ, فاعلم أن النفوس كامنة بها أهواء غريزية ساكنة بزواجر التكليف الديني والعقلي وهو السر اللطيف, الذي أتى لصيانته التكليف, فحرم المدام3 وأنكر على السماع4, حتى لا يبتذل فتمجه الطباع, إذ هما يتركان تعريف التكليف نكرة, ويبرزان الأهواء على أصل الفطرة, والعيون بها مستودع ذاك السر, ومنبع هذا السحر, فإذا نظرت عين ذي حسن إلى عين نفس لطيفة الروح, وسرت بينهما مراسلات اللواحظ ومغامزات البوح, تعارفا وائتلفا, وتحالفا على الوفا, وتذاكرا لذة الحديث في عالم الأرواح, وتشاكيا ألم التكليف في عالم الأشباح, وتواددا, وتواعدا, وتعاهدا على الكتمان, والتعاون عند الإمكان, وتشاكلا في الهوى نفسا وروحا, ويوحى لكل قلب من الأل

المزيد





زارتنا البركة                                                                              أهلا وسهلا في الحديقة