أمِيرُ البَيَانِ ورَأسُ العُرُوبََةِ 

                                                                                                        

 

       

حَضرَةُ الأَمِيرِ شَكِيب أَرْسَلاَن

                           


نظرة إجمالية في الطبيعة العمرانية الأندلسية

أغسطس 6th, 2007 كتبها طه أحمد نشر في , أدب, اسلاميات, تاريخ, دين, سياسة, مختارات, مقالات

الطبيعة العمرانية للجزيرة الأندلسية وأثر المدنية الاسلامية فيها
عن الحلل السندسية للأمير شكيب أرسلان
( أما من جهة المدنية فهي في جنوبي اسبانية راجعة إلى أشد أدوار التاريخ توغلاً في القدم, وقد كان للفينيقيين في هذه البلاد دور طويل عريض, وقد أثّروا فيها آثاراً, لا تزال بقاياها ماثلة إلى الآن, ثم جاء الرومانيون, وكانت لهم طبيعة عمرانية معروفة لهم شرقاً وغرباً, فوجدوا مجال العمل في اسبانية ذا سعة, فعملوا, وبنوا, وأثّروا, وأثّلوا, وتركوا, آثاراً ناطقة بفضلهم, وجسوراً وأقنية معلقة منبئة عن شأوهم, وملاهي وهياكل, كالتي في ماردة, وطرَّكونة, ومربيطر, وغيرها مما لا يدرسه الزمان, ولا ينال منه الحدثان.
 
وجاء بعد ذلك العرب فأثلوا في الجزيرة الايبيرية, أو الجزيرة الأندلسية على رأيهم, حضارة عربية شرقية بلغت من الأبهة, والفراهة, وسلامة الذوق, سدرة المنتهى, فلا تكاد تمر بمكان إلا للعرب فيه آثار باهرة, وعنهم أخبار تتحدث بها السامرة, و لا يزال نظام سقيا الجنان, وتوزيع المياه على الأرضين, هو النظام الذي رتبوه في أيامهم, ثم إنه لا ينكر أن الفن المسيحي, سواء في القرون الوسطى, أو من بعد عهد النهضة, قد ترك في اسبانية آثاراً فاخرة, ومباني فخمة, كقصر الاسكوريال مثلاً.
فالذين يقصدون إلى اسبانية من السياح لا تخيب آمالهم, ولا تذهب نفقاتهم سدى, وذلك لأن السائح الأوروبي يجد دائماً في اسبانية أشياء جديدة بالنسبة إليه.
فالبلاد كلها عبارة عن جزيرة يحيط بها البحر من جهاتها الثلاث, وتحيط بها جبال البرانس الشامخة من الجهة الرابعة, فهي معتزلة في مكانها, منتبذة من أوروبة زاوية خاصة بها, غير متأثرة بغيرها, محتفظة بجميع مميزاتها وخصائصها, لا هي شرقية تماماً, ولا هي غربية تماماً, بل هي متوسطة بين أوروبة وأفريقية, واصلة بين المشرق والمغرب, منطو

المزيد


ارتسامات لطاف

أغسطس 3rd, 2007 كتبها طه أحمد نشر في , أدب, اسلاميات, تاريخ, دين, سياسة, مختارات, مقالات

ارتسامات الأمير أرسلان حول المقري وتأليفه الفريد نفح الطيب

وكلمة المقري المثيرة في حق الشاميين خلد الله ذكرهم  واعتزاز الأمير بها

اعلم أعزك الله أنه لا يزال نفح الطيب من أعظم المراجع التي يعول عليها المحققون في أخبار الأندلس, برغم كل ما عليه من مآخذ ومغامز, وما فاته من مباحث ومسائل, وذلك لأن صاحبه اتصل بكتب كثيرة لم يتيسر لغيره الاطلاع عليها, وشافه في الشرق والغرب عدداً كبيراً من الجِلّة وحاضَرَهم, وكان المقري نفسه مولعا بأخبار الأندلس, متخصصا فيها حافظاً من أنبائها, وكلام علمائها, ونظم شعرائها, ولا سيما من أقوال لسان الدين بن الخطيب وزير بني الأحمر الشهير- بما يكاد يكون من المعجزات, ولما كان قد رحل إلى المشرق, كأكثر علماء المغرب, وحج البيت الحرام خمس مرات, وزار المدينة المنورة, والبيت المقدس, انتهى في طوافه إلى دمشق الشام التي أخذت بمجامع فؤاده, فألقى عصا التسيار, وتعرف بكثير من علماء الشام وأدبائها وسراتها, فكان ذكر الأندلس أمامهم ملهج لسانه الدائم, وغرام قلبه ا

المزيد


مدريد madrid

يوليو 24th, 2007 كتبها طه أحمد نشر في , أدب, تاريخ, دين, سياسة, مختارات, مقالات

دليك إلى مدريد

عن الحلل السندسية للأمير الجليل شكيب أرسلان قدس سره الشريف

 

 

 مَجْرِيط madrid

 

قال ياقوت في معجم البلدان: مجريط بفتح أوله, وسكون ثانيه, وكسر الراء, وياء ساكنة, وطاء: بلدة بالأندلس ينسب إليها هارون بن موسى بن صالح بن جندل القيسي الأديب القرطبي, أصله من مجريط, يكنّى أبا نصر, سمع من أبي عيسى الليثي وأبي علي القالي, روى عنه الخولاني, وكان رجلاً صالحاً صحيح الأدب, وله قصة في القالي ذكرتها في أخباره من كتاب الأدباء- يعني كتابه معجم الأدباء- ومات المجريطي لأربع بقين من ذي القعدة سنة 401 قاله ابن بشكوال. اهـ.

ومن غريب الأمور أن ياقوت ذكر مجريط في مكانين من كتابه, ففي الأول ذكرها في صفحة 388 من الجزء السابع من معجمه, الطبعة الأولى المصرية المصححة بقلم الشيخ أحمد بن الأمين الشنقيطي, ثم في صفحة 394 من الجزء نفسه, عاد فذكر مجريط هي نفسها وترجمها غير الترجمة الأولى فقال: مجريط بالفتح ثم السكون وكسر الراء, وياء, وآخره طاء مهملة: مدينة بوادي الحجارة, اختطها محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك. ينسب إليها سعيد بن سالم الثغري, ساكن مجريط, يكنّى أبا عثمان. سمع بطليطلة من وهب بن عيسى, وبوادي الحجارة من وهب بن مسرَّة وغيرهما, وكان فاضلاً, وقصد السماع عليه, ومات لعشر خلون من شهر ربيع الآخر سنة 376 قاله ابن الفرضي.انتهى نقلا عن بغية الملتمس.

والذي يلوح لنا أنه كتب عن مجريط أولاً, وانتهى منها, ثم تلقّى معلومات جديدة عنها فبدلاً من أن يلحقها بما تقدم له في شأن مجريط, عاد فترجمها مرة أخرى. وينسب إلى مجريط عدد من أهل العلم في الإسلام منهم أبو محمد عبد الله بن سعيد المجريطي, وعبد الرحمن بن عبد الله بن حماد المجريطي. وهارون بن موسى..

وأعظم المنسوبين إلى مجريط أبو القاسم مسلمة بن أحمد المجريطي الفلكي الكيماوي الشهير. وممن ينسب إلى مجريط سعيد بن سالم المجريطي المعروف بأبي عثمان الثغري الذي ذكره ياقوت, وينسب إلى مجريط أبو العباس يحي بن عبد الرحمن بن عيسى بن عبد الرحمن بن الحاج, كان ساكناً في قرطبة. وتولّى قضاء جيّان, وقضاء مرسية, وقضاء غرناطة, ثم تولّى قضاء قرطبة بعد أبي الوليد بن رشد, وكان قاضياً جليلاً, توفي سنة 598.

وأخبرني مهندس اسبانيولي مدقق متخصص بعلم الآثار اسمه فرناندس من أهل قرطبة أنه لما استولى الاسبان على مجريط كان فيها أربعة جوامع.

كان بناء مجريط في زمن العرب ضرورة عسكرية, لأنهم جعلوها قلعة في وجه القشتاليين, ولولا القلعة ما تكونت ثمة بلدة, إذ ليس إلا بلد مَحْل, وماء ضَحْل, وبقيت في أيدي العرب مدة طويلة إلى أن تمكن الاسبانيول من إرجاعها سنة 1083, وذلك على يد الأذفونش السادس, وكانت القلعة العربية في مكان القصر الملوكي الحالي وهذا القصر هو أفخم بناء في هذه العاصمة الآن, وكان الشروع ببنائه سنة 1764.

هذا, ولما دخلها الاسبانيول حوّلوا مسجدها الكبير إلى كنيسة باسم السيدة العذراء وأعطوا مجريط امتيازات كثيرة, وصارت لذلك العهد مدينة لا بأس بها, تمتد إلى باب ((لاتينه)) وباب ((سرَّادة)), وباب ((وادي الحجارة)) وباب((سانتو دومينكو)) وباب (( سان مارتين)) وباب ((الصول)), ووقع بين أهل مجريط وأساقفة اسبانية دعوى على مشاعات البلدة, فصدر الحكم بأن تكون المراعي لرجال الكنيسة وأن تكون الغابات للمدينة.

وفي سنة 1329 جمع الفرديناند الرابع أول مجلس للأمة الاسبانية في مجريط وفي سنة 1383 التجأ إلى اسبانية لاوون ملك أرمينية شريدا, فولوه على مجريط, ولكن بعد وف

المزيد


نشأة المدنية الإسلامية

يونيو 7th, 2007 كتبها طه أحمد نشر في , أدب, اسلاميات, تاريخ, دين, سياسة, مختارات, مقالات

 

في المدنية الإسلامية وأنها قامت مع الشريعة:

 
 
إن جحود جريان عرق الديانة الإسلامية في المدنية التي أنشأها العرب والحضارة التي أقاموها بعد الإسلام لهي مهاترة في المقال, ومكابرة في المحسوس, وهؤلاء القائمون ببث هذه السفسطة لا يزالون يموهون على المسلمين قائلين لهم: إن أوربة ما أخذت في التَّمْدِين و اتسق لها الرقي , ولا تهيأت لها أسباب الفتح, إلا بعد أن رفست دينها ومقوماتها القديمة وصارت على خطة لائكية, فنحن لن نسلك في هذا السبيل ما دمنا على خطة إسلامية. وهذه كل غايتهم من جحود التمدين الإسلامي. وإلا فالأمر في حقيقته كما قال الحق:( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا)
 
ونقول في رد هذا:
إن التمدُّن الإسلامي قام مع الشريعة ولم يقم عنها, فالدين أساس هذا التمدن, وما جاء في كلام القِمَني من أن الدين لم يقم بصناعة حضارة قط, هو غلطٌ فادحٌ نتج لصاحبه عن جهله بالسير والحديث و التاريخ, أو من عدم تشخصه لحقيقة ينابيع المدنية ونصابها, فإن للمدنية أربعة أساسات يدرك بها وجه التمدن وأحواله في أمة من الأمم:
 -إما الأبنية المشيدة والعمران الشاهد, فهو عنوان رقي الجماعات الذين يسكنونها.
-أو المخلفات العلمية والأدبية والفلسفية وما جرى في هذا المجرى, فهو مجلى حقيقة ما كانوا عليه من المدارك, وما فتقوا من فنون المعارف.
- أو الثروة التي كانوا يتنعمون بها فهو دليل اقتدارهم, وتنفقهم في وجوه الصناعة والزراعة والتجارة.
- أو الشرائع وهو أعظم حجة على ما كان في تلك الأمم من الرقي الذهني والنظام الاجتماعي وخلافه, والأخلاق الراقية وعدمها, ومن المساوات أو التفاوت في المقامات, ومن العدل والظلم, والآداب الحسنة أو الأخلاق المرذولة.
 
فإذا كانت هذه هي أساليب التمدن التي قررها الحكماء لنحل أمة صفة المدنية, فإن عهد السعادة النبوي أوفر العهود حظاً من هذا الاسم, وأحق الأعصار بهذه الصفة, و من عرف نهضة الإسلام وتعاليمه, وسبرها عمقاً و غورا, وفحصها سطحاً وقعرا, تحقق أن الديانة قوة ذات تعميرٍ وتجديد, احتوشت أساليب التمدن كلها منذ ظهورها, وكانت للتمدين أصلاً وينبوعا, وللحضارة نصاباً وعَلَماً مرفوعا.
 فمن طالع بحسن الدقة, وتمام الروية, في ما بثه النبي عليه السلام من التعاليم, ومحكمات الأحكام, وأنواع الإرشاد, وما حوى القرآنُ من آداب الاجتماع, وسَنَّ من طُرق التعارف والتمازج بين الشعوب, وما أودع الله غضون آياته الباهرة من أحكام الطبيعة, وأسرار الوجود, وفرائد الكائنات, وعجائب المبتدعات, وما ضَبطَ من الحقوق المدنية, وفتق من نظامات الحياة, وما تلته به السنة النبوية تبيانا وتفصيلا, من تهذيب النفوس, وترسيخ الفضائل, وتجديد الإنسانية في روح المعاملات, وتليين الطبائع, وفسخ الأحلاف الجاهلية, وما أحكمته من سنن الإرتقاء والإخاء البشري, وشدها من وثاق الجامعة, وتقوية رباط الاتحاد,و حرق بواعث العصبية التي هي من خصوصيات العرب في الجهالية, وتمتيع الخلق بضروب الحرية, من طالع ذلك علم أن المدنية الإسلامية قامت معها لوقتها تلك الأعمال المذكورة بسر تأثير تلك التعاليم الجليلة في نفوس سامعيها لذلك العهد. فهي مدنية ودينية من أوليتها.
 
نعم, لقد كان عهد السعادة النبوي أس النهضة وعرقها الأصيل, فإذا التفت إلى ما يتعلق بالمراتب الادارية, من وزارة بأنواعها, وكتابة بأصنافها, والرسائل, والإقطاعات, وكتابة العهود, والصلح, والسفراء, والرسل, والترجمان, وكتاب الجيش, والقضاة, وصاحب المظالم,وفارض النفقات, وفارض المواريث, وصاحب العسس في المدينة, والسجان, والعيون والجواسيس, والمارستان والمدارس والزوايا, ونصب الأوصياء, والممرضات, والجراحين, والصيارفة, وصاحب بيت المال, ومتولي خراج الأرض, وقاسم الأرض, وصانع المنجنيقات والرامي بها, وصاحب الدبابات, وحافر الخناديق والصواغين, وأنواع المتاجر والصناعات والحرف…تجدها كلها كانت لعهده عليه السلام, ومسندة للأكفاء من الرجال.
وإذا شئت ثبتاً لهذا فراجع كتاب ”تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله (ص) من الحرف والصنائع والعمالات” للخزاعي وهو منشور على (الوراق) والحمد لله.
 وقد قفاه على أثره فخر المغاربة  الشيخ عبد الحي الكتاني  بنظام الحكومة النبوية المسمى بالتراتيب الادارية, فاعتنى بالزيادة عليه والاستدراك, بلسان يناسب روح العصر, فوضع في أربعة أشهر سفراً إذا وقفت عليه وقفت على شيء من العَجَب, ونوع من التأليف يحير اللَّبَب, وموضوعهما تدوين المد

المزيد


الرد على القمني 1

يونيو 6th, 2007 كتبها طه أحمد نشر في , أدب, اسلاميات, بحوث, تاريخ, دين, سياسة, مختارات, مقالات

الرد على القمني في جحوده للمدنية الإسلامية1 


الجهالات والخزعبلات
توطئة
لقد دبَّ الفسادُ وذهب فينا كل مذهب, حتى أصبح أكبر أعداء المسلمين هم أناس من المسلمين, أولئك بطانة الأجانب الذين تجعلهم دولُ الاستعمار مطايا لها في الاستيلاء على أصقاع الإسلام, وهم الذين يسعون بين أيديها في كل دسيسة, ويدلونها على عورات المسلمين, ويبثون دعايتها بينهم, وتراهم مع ذلك وافرين في غضاضة, سادرين في غفلة, مسترسلين إلى دعة, يأكلون مما باعوا من تراث المسلمين, ويتكسبون بممالأة مزاعم أقوامهم ابتغاء مرضاة الفرنجة, وبما طعنوا على التمدن الإسلامي ونهضته, وتوثبوا إلى الوحي ورتبته, وأنكروا من فضائل العرب وصغَّروا من شأنهم بين الأمم.”أولئك شر مكانا وأضل سبيلا”.
 و لله در الملك ابن مسعود حيث قال:” ما أخشى على المسلمين إلا من المسلمين, ما أخشى من الأجانب كما أخشى من المسلمين”.
 
إن هؤلاء البوالين على أعقابهم من الجاحدين يأبون إلا أن يفرنجوا المسلمين, ويخرجوهم عن وجوه مزاعمهم ومشخصاتهم, ويحملوهم بالأراجيف والتكاذيب على إنكار مآثر الأجداد وآدابهم, وصنائع الأسلاف ومناقبهم, ولا تجد أحدهم إلا شعوبيا هجينا يعيش بين قوم وهو لهم كاره, أو ذو غ

المزيد


السر المصون في مغازلة العيون ج2

يونيو 5th, 2007 كتبها طه أحمد نشر في , أدب, اسلاميات, تاريخ, دين, مختارات, مقالات

السر المصون في مغازلة العيون ج2

عندها صقلت مرآة لبي, وتتابعت الهامات قلبي, وقلت: قد فهمت ما شرحت, وعلمت ما أوضحت, وبسرك سأدرك من رقة الطبيعه, ما لا يدركه عمر بن أبي ربيعه, فلما أحست بإقبالي, وآنست استحصالي, تبسمت تبسم الحكيم إذا أصاب, والكريم إذا أثاب, وقالت دع ما فات, وتيقظ لما هو آت, وإن ضللت فسلْ بصير, ولا ينبئك مثل خبير, فرحت ضالا في تيه الأفكار, أحاول الهداية لتلك الأسرار.
ولما تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود, وتشتت ما في البيوت وتبدَّد, خرجت أدور وأرود, وأتطلب موارد العيون السود, فصادفتُ غانيةً تسير, كأنها البدر المنير, فأرسلت طرفي اختلاسا, وتطلبت لحظها التماسا, وحاورت لمحات الأجفان, حتى التقى الإنسان بالإنسان, فمكرت مكرا كبارا, وأسررت الهوى إسرارا, واغتنمنا فرصة اللذات, والناس من حولنا كالأموات, فسعيت إلى أستاذتي, لأعرض قصتي, ولما صرت خلف الستر, وتوصلت إلى الخدر, قابلتني أوانس المسرة, وقربت من تلك الحضرة, ورفعت إلى المقام الأسنى, فكنت كقاب قوسين أو أدنى, فأديت من الشكر الواجب والفرض, بلثم الأذيال وتقبيل الأرض, ولما زالت الدهشة, واستأنست الوحشة, شرعت في عرض حالي, وشرح ما جرى لي, فتهلل وجهها واستهل,
 وقالت سوف يكون وابل هذا الطَّل, فخبرني ماذا رأيت في العين, عند التقاء اللحظين,
 قلت: رأيت أمرا جليلاً لا يكيَّف, وشيئاكميناً لا يوصف, فأريد من أفضالك, كشف ذلك, فأقبلت علي إقبال الطروب على المطرب, والأديب على المعرب,
 وقالت: سأبوح لك بهذا السر المصون, الذي لاح لك في مغازلة العيون, فهذا الذي رأيته هو الذي من أجله أجالت الفحول جياد الأفكار, في ميادين الأشعار, وشببوا بليلى ولبنى, ليذوقوا لذة تلك المعنى, فمنهم من ذاق ومنهم من كاد, ومنهم من اهتدى ومنهم من حاد, وكم تطلبه قوم بمباشرة الأشباح, فراحت منهم الأرواح,  وهو النعيم المقيم, والملك العظيم, فأرني بمقالك, مكانه من خيالك,
 قلت: خذي جني غرسك, وانظري ضوء شمسك, وأنشدت:
مغازلة العيون ألذ طعـــــــما   و أحلى من معاطاة السُّلافـه  
وبين مراسلات اللحظ شيء   كمين لا تعادله الخلافـــــــه
 فقالت: أراك قد عثرت بالمقصود, ولكن إن استزدت نجود,
 قلت: إني أستزيد لأستفيد, فلا تحرميني من تعريفك المفيد,
 قالت: اعلم أنه لا فضل للإنسان على باقي الحيوان إلا بإدراكه المعنويات, فمن طلب اللذات بمباشرة المحسوسات, ألحق بعالم البهايم والسباع, وإن كان ذا قول فصل وأمر مطاع, ومن هداه الله من الحيرة, ونظر بعين البصيرة, وذاق الأمور بالذوق السليم, تلذذ بسر معنى ”لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم”, وإن سألتني التقريب, فإني أجيب: كم بين من طلب طعاما نفيسا فملأ وعاه, وشرابا لذيذا فشرب ما اشتهاه, ومحبوبا جميلا فنال مناه, ثم أزعجته التُّخَم, وأقلقه الفتور والألم, وبين فَطِنٍ لطيف, وغَزِلٍ ظريف, تتبع موارد الحسان, وغازل العيون والأجفان, ورآى من سواد العيون أبدع صبغه, صبغة الله ومن أحسن من الله صبغه, فهذا هو الموحد بلسان الخلاعه, والمخالف بنية الطاعه, والجاني ثمار اللذات وليس بجان, والمقتبس نور اللذات22 من شمس المعاني, والراتع في رياض تجليات ذاك السر المصون, وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون, وها قد أنبأتك بما لم تحط به خبرا, وأريد أعلم قدر إدراكك له شعرا,
 قلت: إي وأبيك, اسمعي ما يرضيك, وأنشدت:
مغازلة العيون هي النـــــــــعيم       يراها من له ذوق سـليم
و من يطلب وصال الغيد صرفا       بلا غزل فذاك هو البهيم
فقالت: بأبي من راح يرق فذاب, وأرشدناه فسبق إلى الباب, فانح نحو هذه المسالك, ف

المزيد


التالي



زارتنا البركة                                                                              أهلا وسهلا في الحديقة