أمِيرُ البَيَانِ ورَأسُ العُرُوبََةِ 

                                                                                                        

 

       

حَضرَةُ الأَمِيرِ شَكِيب أَرْسَلاَن

                           


صولة العقل على الهوى

يوليو 5th, 2007 كتبها طه أحمد نشر في , أدب, اسلاميات, بحوث, دين, زيارة الحكمة, سياسة, مختارات, مقالات

صَوْلةُ العَقلِ عَلى الهَوَى

تأليف الإمامِ الحُجَّة أبي الفرج بن الجوزي 
حقق أصله وعلق عليه: طه أحمد لمخيَّر  (*)

باسمك اللهم: اللهم اجعل لهذا المخطوط المحقق من اسمك فائدة الذكر والبقاء, واكتب له ولمؤلفه من حمدك معنى القبول والثناء, وألْقِ عليه من أثر الحكمة بركة المنفعة والنماء. 

وبعد:

فهذه رسالة لطيفة، وعجالة شريفة، حققت أصلها من المخطوطة الأزهرية، أضعها بين يدي قراء الجوائب، تامة كاملة رائقة، إلا بعض الحروف والجمل القلائل لغموض في الخط أو خرم في الورقة، وعلقت عليها بتعليقات لائقة ، وشرحت غريبها، وخرجت حديثها. ألفها فريد الوقت ولب الإيمان، وحيد الدهر وواعظ الزمان، أبو الفرج بن الجوزي-جعل الله قراره في الجنان-، انتصر فيها للعقل على الهوى، وللبصيرة على العمى، استهلها بذكر العقل وماهيته، ووالاه بالتنبيه على محله وفائدته ، ثم شرَفه بدلالته على الخالق الحكيم ، والصانع العليم، وفضله في تثبيت النبوات ونصرة الرسالات، ثم أخذ في سرد مذاهب الجبابرة ومسالك الأكاسرة، وانصرافهم إلى الكائنات دون مكونها، والمخلوقات دون خالقها، ثم الأمم القديمة على اختلافها من هندها إلى عربها، ذاكرا ما تميزت به هذه الأمم ، واختصت به من المناقب والفضائل والبدائع والصنائع والعلوم والفهوم والهمم، ثم هي في الأمور الإلهية تخالف العقل وتأتي بالعجائب والغرائب. ثم يعقب هذا بذكر الفرق التي ظهرت في الإسلام والمذاهب التي انتسبت لكل إمام، وما فعلت بها العصبية والهوى حتى تقاتل أصحابها وسفكوا الدماء الحرام، أو تهاجروا بالقول ، وابتركوا في أعراض إخوانهم يقصبونها، حتى لا يلقي الأخ على أخيه السلام، ثم يتبع هذا بذكر ما فعله الهوى بأصناف الناس وطبقاتهم، من طلاب الدنيا والرياسة، وأهل العلم والكياسة، وأهل الغفلة، وأرباب التجارات، والمبالغون في المباحات، وأهل الزهد والمواظبة على التعبدات، والقصاص والوعاظ وشحنهم لكلامهم بالأحاديث الباطلة والموضوعات، وهو أثناء ذلك كله يورد نداء العقل لطوائف البشر وصياحه، وصولته عليهم في غدوه ورواحه، ويختم الرسالة بفصل في نفاسة الزمن واغتنامه في الصالحات، ومسارعة الأوقات ومسابقة اللحظات، فإن الوقت أهم ما كلف المرء بحفظه وهو أهون شيء عليه يضيع.

أسأل الله أن ينفع بها من ألفها ونسخها وحققها وقرأها، وأن ينصرنا على أهوائنا وخسائس أنفسنا، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر

قال شيخ الأمة وعلم الأئمة ناصر السنة أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي:

الحمد لله الذي هدى بالعقل سواء السبيل، فدل على النجاة ونعم الدليل، وأعزه بالحجة فإذا خصمه ذليل، وجعل عليه دون غيره التعويل، غير أن الهوى خلق خفيف وهو مر ثقيل، لكن قدره عند محتسب العواقب قدر جليل، وميزانه سليم العلاقة ولاينقص ولايميل، فالحمد لله الذي جعل حظنا منه كثيرا غير قليل، فبه عرفنا الخالق وعلمنا نفي العديل، وصدقنا الرسول والكتاب الجليل، وفهمنا مراد الوجود وتلمحنا المقيل، فتزودنا للنقلة وتهيأنا للرحيل، وانتهبنا الفضائل وشفينا من نيلها العليل، ونبهنا بهذه النصيحة أهل النوم الطويل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فصل

العقل غريزة كأنما بها نور يقذف في القلب، فيستعمل لإدراك الأشياء، ويعلم به جواز الجائزات، واستحالة المستحيلات، ويتلمح عواقب الأمور، وذلك نور يقل ويكثر، ومحله القلب وقيل الدماغ، ثم هو يقوى بالتجارب، قال ابن عباس:"لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل فقال أدبر فأدبر فقال وعزتي ما خلقت خلقا قط أحسن منك فبك أعطي وبك آخذ وبك أعاقب" واعلم أنما تتبين فضيلة الشيء بثمرته وفائدته، وقد علم أن العقل هو الذي دل على الإله سبحانه وأمر بطاعته، وثبت معجزات الرسل فأمر بطاعتهم وحث على الفضائل ودم في استخدام المخلوقات، فلا ينبغي أن يدال عدوه الذي هو الهوى عليه، لأن العقل ينظر في العواقب، والهوى ينظر إلى محبوب حاضر ولا ينظر في عاقبة ذلك ولا في عيوبه، فكم قد أفات من فضيلة، وكم أوقع في رذيلة، وكم قد حمل مقلدا في اعتقاده إلى النار، وكم ألزم أتباعه من ذل وصغار، وقبائح ليس لمكسورها انجبار.

فصل

إذا تم عقل العاقل حركه إلى معرفة الصانع وهي أول واجب على المكلف، وطريقها النظر والإستدلال، والله تعالى هو الموجب والعقل يكشف عن وجه الوجوب لا أنه يوجب بنفسه، ومن قال إن العقل يوجب فإلى هذا يشير، فإذا لزم النظر والاستدلال فالدليل على الخالق المخلوقات، ومن تأمل ما في بدنه من الحكمة وما في الكائنات كلها من الصنعة، وتيقن أنها لم توجد بنفسها ولا أنها صنعت نفسها، علم قطعا وجود صانع فمتى جحده استحق العقاب ولو لم تبلغه دعوة نبي، فمتى حادث المخلوقات ناطقته وأخبرته بوجود الخالق، ولينظر في كتابنا المسمى "عجائب البدائع"، فإنه يرى ما يدهشه.ثم إن الله سبحانه قد استفتح هذا العالم الإنسي بأبيهم آدم فجعله نبيا مرسلا إليهم يخبرهم بوجود الخالق، ثم لم يخل العصور من نبي وأتباع نبي يدعون إلى ذلك، فقد زالت الأعذار شرعا وعقلا.

فصل

وانملس أقوام فخرجوا عن مأمور الشرع والعقل، فشغلهم النظر إلى الكائنات عن التفكر في مكونها، فغلبت عليهم الأحاسيس، والإحساس لا يري الخالق، فجحدوا وجوده فمنهم نمرود الذي حاج إبراهيم في ربه، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:"قال نمرود لا أنتهي حتى أنظر إلى السماء فأمر بفرخي نسر، فربيا حتى سمنا واستعلجا، ثم أمر بتابوت فنحت، ثم جعل في وسطه خشبة، وجعل على رأس الخشبة لحما شديد الحمرة، ثم جوعهما وربط أرجلهما بأوتار إلى قوائم التابوت، ودخل هو وصاحب له في التابوت وأغلق بابه ثم أرسلهما، فجعل يريدان اللحم، فصعدا في السماء ما شاء الله، ثم قال لصاحبه، افتح وانظر ماذا ترى، ففتح فقال أرى الأرض كأنها دخان، فقال أغلق ثم صعدا ما شاء الله ثم قال له افتح ففتح، فقال ما أرى إلا السماء وما نزداد منها إلا بعدا، قال فصوب خشبتك فصوبها فانقضت النسور فسمعت الجبال صوتها فكادت تزول عن مواضعها، وقال ابن عباس:"بنى الصرح ثم صعد منه مع النسور"(1) وقال عكرمة:" كان معه في التابوت غلام، قد حمل القوس والنشاب فرمى سهم فعاد إليه ملطخا بالدم فقال كفيت إله السماء، وقال مجاهد هذه القصة جرت لبخت نصر وأن النسور لما صعدت إلى السماء، نودي أيها الطاغية أين تريد ؟ففزع. ومنهم فرعون فإنه جحد الصانع فلما أخبره موسى بوجوده قال "أوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا" فجاء في التفسير أن هامان جمع خمسين ألف بناء سوى الأتباع، فرفعوه ما لم يرفع بنيان قط، فارتقى فرعون فوقه، ورمى نحو السماء بنشابه، فردت وهي متلطخة بالدم فقال قتلت إله موسى، فبعث الله جبريل فضربه بجناحه فقطعه قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، وتبع هذين خلق كثير شغلهم النظر إلى المخلوقات عن التفكر في صانعها، والعقل يناديهم ويلكم كيف ينكر الصانع وكل الموجودات تنطق عنه، وليس فيكم من يقدر على رد النهار إذا أقبل ولا الليل إذا جاء ولا الماء إذا جرى و لا الشمس إذا طلعت، أفلا يستحي من يقول:"ما علمت لكم من إله غيري" وهو معوز(2) مدلك(3)، يرى من فعل الخالق عصا قد التقمت الجبال بأسرها ثم عادت عصا، ويشاهد البحر قد قام فيه الماء وصارت(4) يبسا، ونمرود يطلع بعد مدة على إبراهيم المحرق على زعمه فيراه في روضة، والعقل يصيح بهما وطرش الغفلة يمنع السماع.فإن قيل قد كان هؤلاء عقلاء يدبرون أمور الدنيا فكيف خفي عليهمة هذا الأمر العظيم؟فالجواب: أنهم غلبت عليهم الأحاسيس والخالق لا يعرف بها، ولهذا قال فرعون "وما رب العالمين" فطلب ماهية من لا ماهية له، والشيء إنما يكون من شيء يسبقه ذلك الشيء والخالق هو الأول، والعقل ينظر إلى عواقب الأحوال وثمراتها، والحس مستعجل لا يرى إلا الحاضر(5)، وقد كانوا أرباب علم بالحساب فقط، قال الحسن البصري:" يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا" قال

المزيد


غرائب التفسير

يونيو 14th, 2007 كتبها طه أحمد نشر في , أدب, اسلاميات, دين, زيارة الحكمة, سياسة, مختارات, مقالات

تفسير آية

 

قال الحق عز وجل:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ 12ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ 13ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ
 قال لسانُ العربية مصطفى صادق الرافعي (طيب الله ثراه): وأنت لو عرضتَ ألفاظ هذه الآية على ما انتهى إليه علماء تكوّن الأجنة وعلماء التشريح وعلماء الوراثة النفسيّة، لرأيت فيها دقائق علومهم، كأنّ هذه الألفاظ إنمّا خرجت من هذه العلوم نفسها، وكأن كلّ علم وضع في الآية كلمته الصادقة، فلا تملك بعد هذا أن تجد ختام الآية إلاّ ما ختمت هي به من هذا التسبيح العظيم فتبارك الله.اهـ

وهذا تفسير لهذه الآية ساقه الرافعي في كتابه إعجاز القرآن والبلاغة النبوية  للعلامة المفسر داود الأنطاكي من رجال القرن العاشر الهجري فتح عليه به وهو في أضعف الأزمنة وأشدها انحطاطا وفقرا من الوسائل العلمية , وجاء منه بكلام معدود في غرائب التفسير.
وأشير إلى أن المفسر يرى أن أطوار الخلق في الآية سبعة تقابل الكواكب السبعة السيارة.
وهذا نص التفسير:
 ((قال جلّ من قائل: ولقد خلقنَا الإنسانَ: يعني إيجاداً واختراعاً، لعدم سبق المادة الأصليّة ((من سلالة)) هي خلاصة المختارة من الكيفيات الأصلية بعد الامتزاج بالتفعيل الثاني ممّا ركب منها بعد امتزاج القوى والصور، والتنويه باسمه إمّا للصورة والرطوبات الحسيّة، أو لأنّه السبب الأقوى في تحجّر الطين وانقلابه وكسر سَوْرة الحرارة وإحياء النبات والحيوان اللذين هما الغذاء الكائنة عنه النّطف، وهذا الماء هو المرتبة الأولى والطور الأول، وقوله ((من سلالة)) يشير إلى أنّ المواليد كلّها أصول للإنسان وإنّه المقصود ب

المزيد


نشيد الإنسان

مارس 23rd, 2007 كتبها طه أحمد نشر في , أدب, زيارة الحكمة, مقالات

جبران خليل جبران    وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون

القرآن الشريف   

 

 

أنا كنت منذ الأزل, وها أنا ذا, وسأكون إلى آخر الدهر, وليس لكياني انقضاء.

سبحت في فضاء اللانهاية, وطرت في عالم الخيال, واقتربت من دائرة النور الأعلى, وها أنا الآن سجين المادة.

سمعت تعاليم كنفوشيوس, وأصغيت لحكمة برهما, وجلست بقرب بوذا تحت شجرة المعرفة, وها أنا الآن أغالب الجهل والجحود. كنت على الطور إذ تجلى " يهوه" لموسى, وفي عبر الأردن فرأيت معجزات الناصري, وفي المدينة فسمعت أقو

المزيد


أنا غريب في هذا العالم

مارس 22nd, 2007 كتبها طه أحمد نشر في , أدب, زيارة الحكمة, مقالات

         غريب

أنا غريب في هذا العالم

أمشي وتمشي أمامي الهموم وتمسك الأحزان بخاصرتي وتركب الكآبة أكتافي.

 غريب.. وعظم وقتي أمضيه وحيد نفسي أسير عزلتي وفي الوحدة وحشة قاسية وللعزلة قبضة مؤلمة تخنقني لكنني أجد في آلامها آمالي وفي وحشتها أنسي وفي محيطها تنبثق ألحان العدم و الوجود.

 تقتلني غربتي وتملأ روحي بأنغام حزينة وموسيقى يتيمة تسمعها أذن قلبي في كل مكان.

 أنا كالقبر مقفر مظلم, ذابل الحمية في شرخ شبيبتي,  ذاهب الحماسة في أوج غضاضتي, إذا رقد الأنام فأنا يقظ, وإذا استيقظوا فأنا في سبات, أحب ما يكرهون وأكره ما يستحسنون.

أطلب أخي الإنسان فلا أجده إلا في المدينة مع الفساد والشقاء والغفلة, شغلته المادة وألهته المدنية وأشقته الحداثة, لماذا يا أخي وأنت من يفهم حيرتي وتوجسي؟ وكلانا ابن روح واحد.. 

أنا غريب في هذا العالم  

أنا غريب نظمتني الأيام من حروف همومها ثم نثرتني في لجج بحورها غير آبهة بعذاباتي

المزيد


مناجاة الروح

مارس 22nd, 2007 كتبها طه أحمد نشر في , أدب, زيارة الحكمة, مقالات

 

أيها الليل

 

لما سكن الليل ورقدت الحياة وأرخت أسدال جفونها على الأرجاء وانطفأت السرج في المنازل ولم يبق من الأنوار إلا لمعات النجوم المتناجية والشهب المترامية وأشعة القمر المنسكبة على هدوء السحر وأرواح ندمائه وخلانه. كانت العادة أن أخرج كل ليلة وقت الهزيع لأغتسل بماء السحر وسكون الزمن فلا لسان ينطق سوى لسان الطبيعة ولا صوت يهتف إلا صوت الحكمة ولا فكرة تعلو على فكرة التأمل والتمرد عن قيود النفس وأغلال الروح فأجد الحجى منفلتا من عقاله والقلب متزحزحا من مكانه, فأرسل النظر إلى تلك الروابي والمروج المطرزة بألوان الزهور الضاحكة والخضرة اليانعة, فتلامس تلك الألوان وهاتيك الخضرة آمال قلبي وحنينه فيشرب من خمرتها حتى يرتوي ولا يرتوي أبدا.

 وأميل بعيني وقلبي إلى النهر الكبير فأعانقه وأنساب معه وقد سكرت نفسي من تلك الخمرة السماوية فأجاريه في أحاديثه وهواجسه ويسارني بأخبار محبوباته اللواتي يغشين سواقيه بوجوههن الجميلة, وعيونهن الوسيعة, وأرواحهن المكسوة بفتنة الشبيبة وغنج الأنوثة,ويحدثني عن آمالهن وآلامه

المزيد





زارتنا البركة                                                                              أهلا وسهلا في الحديقة